النكتة السياسية في اليمن.. سلاح الشعب المقهور في مواجهة الطُغيان (تقرير خاص)

[ الرسام رشاد السامعي ]

اهتمام الصحفي عبدالإله الطاهش بقراءة مذكرات قيادات الحركة الوطنية في اليمن خلال فترة الإمامة ثم مرحلة الثورة، قادته للاهتمام بالنكتة السياسية الواردة في هذه المذكرات.
 
 حيث نشر على صفحته بالفيس بوك أكثر من مائة حلقة نقل فيها المواقف والطرائف في مذكرات الرئيس عبدالرحمن الارياني، ثم نقل طرائف مذكرات سنان أبو لحوم ويعكف حاليا على نشر طرائف مذكرات العزي صالح السنيدار.
 
هذا الاهتمام قاد الطاهش إلى إنشاء مجموعة في الفيس بوك تحت مسمى "النكتة السياسية في اليمن" ويهدف من خلال ذلك إلى تدوين النكتة السياسية لإصدارها في لاحقاً في كتاب.
 
مقاومة ساخرة
 
يقول الطاهش إن "الشعوب تلجأ إلى إطلاق النكتة لأن النكتة السياسية -بالذات- تعد سلاحاً شعبياً حاداً في مواجهة الظلم والاستبداد في كل زمان ومكان.. فلا هوية محددة لها ولا يعرف قائلها، والنكتة السياسية نوع من الالتفاف حول القواعد الأمنية والقمعية للخوض في المسائل الممنوعة.
 
وأضاف لـ"يمن شباب نت"، "في هذه الحالة يكون الضحك مثل قنابل الدخان التي تستر من يـُطلق  النكتة أو يسمعها وتحميه من البطش والعقاب، ويلجأ الناس للنكتة إذا سُدت في وجوههم منافذ التعبير الأخرى، أي عندما لا تتوفر لهم أساليب تفريغ الشحنات الناتجة عن قسوة المعيشة وشدة الكبت".
 
وعن جدوى النكتة السياسية، يرى الطاهش أن النكته مقاومة.. مقاومة ساخرة، واعية فيلسوفة وحية، تعبر عن إرادة الشعب التي لا تفتى، وانتقام يدافع بها الشعب عن نفسه ضد الطغيان.
 
والنكتة السياسية ليست أمرا سهلاً، لأنها تطلق للسخرية من الحاكم وحاشيته وبطانته وتصرفاته وسياسته، وتعبر عن متاعب الناس المزمنة، وتصور أمانيهم ورغباتهم، وعادة ما تكون قصيرة سريعة وربما خاطفة.
 
 فهي تنتقل خلال ساعات في كافة أنحاء البلاد حتى تقع في النهاية في حجر الحاكم نفسه، فتنزله من عليائه إلى مستوى البشر فيظهر للناس أن هذا الرجل العظيم ليس سوى مخلوق يهيم في الضلال ويعيش في ظل الخوف والرعب".
 
تأثير النكتة
 
وعن تأثير النكتة السياسية يقول الطاهش إن تأثيرها كبير وأصبحت اليوم تؤسس لها أقسام خاصة في وكالة المخابرات المختصة في الحرب النفسية كل مهمتها رصد النكات وتحليلها ورفعها إلى صناع القرار، فتأثيرها قد يكون ايجابيا وقد يكون سلبيا.
 
وتابع،" فيكون ايجابيا في مقاومة طغيان الحكام وفساد الحكومات، ويكون سلبيا حين تكون البلد في حالة حرب وتكون تلك النكات هي للسخرية من جيش البلد أو قياداته أو صمود شعبه وربما قد يكون مصدرها مخابرات دولة عدوة كما حصل عقب هزيمة عام 1967م".
 
حين أطلقت مجموعة من النكات ضد الجيش المصري مما اضطر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إلى أن يطلب من الشعب المصري عدم ترديد تلك النكات في خطاب شهير له في البرلمان المصري وقال بالحرف: احنا من غير ما نعرف بنسمع الاذاعات ونرددها ونقول مافيش فايدة.. الشعب المصري يسمع اي حاجة وينكت عليها وهو شعب يحب النكتة.. ودي ميزة.. بيفلسف بيها الأمور.. ولكن أعداءنا ممكن يستغلوها فينا، فلازم نكون ناصحين..
 
وأضاف ناصر، "برضه باقول إن موجة النكت اللي طلعت احنا انجرينا فيها، ومافهمناش بسبب ايه النكت اللي طلعت.. النكت اللي طلعت جرحت كرامة ناس هم ولادنا واخوتنا".
 
وتعد النكتة السياسية أدبا ساخرا، ووسيلة من وسائل التنفيس والتعبير عن حالة السخط، والتمرد ضد الواقع، والمطالبة بتغييره، ولكونها من ضمن الأدب، فهي قد تكون مكتوبة أو محكية أو قد تكون كاريكاتيرا أو صورة تحكي عن نفسها، وقد تأتي أيضا على هيئة برامج تلفزيونية ساخرة.
 
سلاح المجتمع المقهور
 
كما أن النكتة السياسية تعد من وسائل النضال السلمي، والمقاومة المدنية، بعيدا عن العنف والتطرف، ويلجا لها الشعب لمواجهة القبضة الأمنية المسيطرة للنظام في ظل انعدام الحريات السياسية، وحرية الرأي والتعبير.
 
ويرى الدكتور محمود البكاري استاذ علم الاجتماع بجامعة تعز في حديثه لـ"يمن شباب نت" إن الشعوب المقهورة أو لنقل المضطهدة تلجأ إلى أعمال النكتة السياسية، وذلك للتنفيس عن معاناتها في ظل نظام قمعي لا يقوم على احترام حرية الرأي والتعبير، ويمارس السلطة وفقا لأساليب البطش والتنكيل بكل المعارضين سياسيا، ولذلك تزدهر النكتة السياسية ويكون لها رواج وتقبل".
 
ويضيف البكاري أن "جدوى النكتة السياسية في المجتمع المقهور أنها تخلق رأي عام ضاغط يتشكل بصورة عفوية تدريجية تؤدي إلى زيادة الاحتقان ضد النظام السياسي الشمولي أو المستبد، ولذلك تخشى الأنظمة الاستبدادية من تأثير النكتة السياسية على سيطرتها المطلقة على السلطة، فتلجأ إلى فرض رقابة صارمة على المفكرين والفنانين وصناع الرأي، وتعمل على الاحتواء والترغيب تارة والقمع والبطش والترهيب تارة أخرى".
 
ويشير البكاري إلى أن النكتة السياسية لها تأثير إيجابي جدا لأنها عن طريق المرح تخلق مشاعر ومواقف مضادة للأنظمة السياسية القمعية، وحتما تعد من وسائل التوعية بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وتعبر أيضا عن مدى الوعي السياسي والمجتمعي لدى أفراد المجتمع وأصبحت بعضها تسمى مصانع النكتة السياسية.
 
 وتعد النكتة من وسائل الهجوم ضد الخصوم كونها سريعة الانتشار، وتعبر عن جمهور واسع من الناس، وشديدة التأثير كونها تهدم الصورة النمطية المرسومة للشخص أو الجماعة أو النظام المستهدف.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر