"انهيار تحالفاتها القبلية".. كيف تتآكل ميليشيا الحوثي من أطرافها؟ (تقرير خاص)

 كشف مركز أبحاث أمريكي، عن زيادة العنف القبلي في المناطق التي تسيطر عليها ميلشيات الحوثي المدعومة من إيران خلال أشهر الهدنة الأممية في اليمن التي استمرت ستة أشهر، وانتهت في 2 أكتوبر/ تشرين أول الجاري، مما يشير إلى استخدام موارد الدولة للحملات الأمنية، بالتزامن مع توقف الحرب.
 
وقال تحليل مطول لمركز الأبحاث الأمريكي «ACLED» (مشروع تحليل بيانات الصراع والحدث) صدر في منتصف أكتوبر الماضي، إن "الاقتتال الداخلي والقمع شكلت مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار خلال الهدنة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون".
 
وأشار التقرير إلى زيادة نسبة العنف القبلي خلال فترة الهدنة باليمن بنسبة 59٪ مقارنة بالأشهر الستة السابقة"، حيث أرجع هذه الزيادة الحادة في العنف القبلي بشكل أساسي إلى "الاشتباكات بين القبائل التي اندلعت بسبب النزاعات على الأراضي والثأر.
 
يشير التقرير أيضا إلى تنوع النزاعات في مناطق سيطرة الحوثي بين المليشيا والقبائل، وبين فصائل مليشيا الحوثي ضد بعضها البعض خاصة في محافظة إب، وبين المليشيا والقبائل التي ينتمي بعض أفرادها إلى الحوثي، وبين القبائل ضد بعضها بسبب الثارات والحدود وموارد المياه.
 
 
مراحل تطور العلاقة
 
اعتمدت مليشيا الحوثي في جوهر تشكيلها على الهاشميين، ومناصرين لهم من بعض القبائل في عدد من المحافظات بما فيها بعض قبائل صعدة وعمران والجوف وبني حشيش في صنعاء.
 
سيطرت المليشيا المدعومة من إيران بالترهيب والترغيب على معظم قبائل صعدة أثناء الحروب الست، وتوسع إلى سفيان في عمران والغيل في الجوف وبني حشيش في صنعاء ابتداء من 2008.
 
قبيل سقوط الجمهورية بيدها وقعت مليشيات الحوثي سلسلة من اتفاقات "الخط الأسود" بينها وبين القبائل التي تنص على ألا يعترض رجال القبائل مرور عناصر وقوات الجماعة في الطرقات بمناطقها مقابل عدم تمركز الحوثي في تلك المناطق.
 
ومع سيطرتها على الدولة عقب اجتياحها صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014م فر معظم شيوخ القبائل المناهضين للحوثي إلى خارج البلاد أو إلى محافظة مأرب، وأنشأ الحوثيون مشيخات بديلة، ومع مقتل الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح فر ما تبقى من شيوخ القبائل المحسبين على حزب المؤتمر الشعبي العام.
 
أدت سلسلة المطالب الحوثية بالتجنيد إلى إرهاق القبائل بما فيهم الشيوخ الذين عينهم الحوثي على رأس قبائلهم، وأدت الهزيمة العسكرية التي لحقت بالمليشيات وفشلها في السيطرة على معظم اليمن إلى استنزاف هائل للقبائل التي قدمت آلاف القتلى في صفوف الجماعة.
 
انهار الوضع الاقتصادي وشحت السيولة وقطعت مرتبات الموظفين الذين ينتمي أكثرهم إلى القبائل، وبدلا من أي تخفيف لهذه التطورات هاجم الحوثي الموارد المالية للقبيلة، سواء عبر الضرائب والجمارك الانفصالية أو عبر الزكاة أو المجهود الحربي وكثرة الإتاوات الأخرى.
 
وأدى فرص ضريبة ما يسمى "الخُمس" الهاشمية العنصرية إلى أن يشارك الحوثي القبائل في كل مواردهم تقريبا بمقدار 20% فضلا عن الجبايات أعلاه.
 
 
تشظي العلاقة بين الطرفين
 
منذ مطلع 2020 أسس الحوثيون المنظومة العدلية بقيادة محمد علي الحوثي، للسيطرة على تجارة العقارات. كما أنشأوا هيئة الأوقاف بقيادة عبدالمجيد الحوثي، ولجنة عسكرية بقيادة عبدالله جحاف (أبو حيدر). عملت المؤسسات الثلاث بجانب هيئة الزكاة على تجريد القبائل من كل ممتلكاتهم العقارية تقريبا، أو على الأقل عطلت ذلك النشاط تقريبا إلى الصفر.
 
وقدر مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي سوق العقار في اليمن سنويا بمبلغ ثلاثة مليارات دولار قبل 2020. تراجع هذا القطاع إلى أدنى مستوى في تاريخه وفق عاملين في بيع العقارات .
 
تمثل العقارات بأنواعها الزراعية والكسارات وحتى الأسواق والمدن أحد أهم الموارد الإنتاجية للقبيلة، وملاذها الآمن للتجارة، لكنها تعرضت للنهب وبدأت مرحلة العداء بين الحوثي والقبائل تصل حد الاشتباكات المسلحة.
 
الهدنة تساهم في انهيار العلاقة
 
أدت الهدنة وتوقف اقتصاد الحرب مؤقتا وانسحاب المنظمات الدولية إلى شحة هائلة في السيولة، وبإصرار الحوثي على فرض عزلة شاملة على المحافظات التي يسيطر عليها حد من حركة التجارة ونقل البضائع وغلاء الأسعار.
 
كما أدى احتكار المليشيا لتجارة الوقود وتمويلها للحرب منه إلى غلاء أسعاره ليصبح من أغلى الأسعار في العالم؛ إلى انهيار مريع للقطاع الخاص الذي يشكل أكثر من ثلثي الاقتصاد اليمني.
 
عاد كثيرون من مقاتلي مليشيات الحوثي من أبناء القبائل إلى مناطقهم وقراهم. فالأموال التي يصرفها الحوثي على مقاتليه لا تسد احتياجاتهم، وأسر قتلى المليشيا وجرحاها لا تحصل على مرتبات شهرية بانتظام، إلا بمبلغ لا يتجاوز عشرين ألف ريال كل ثلاثة أشهر.
 
التقى مقاتلو القبائل في صف الحوثي مع الحوثي نفسه في معارك جديدة وداخلية بين الطرفين تتركز على موارد القبائل من العقارات سواء الزراعية منها كما في منطقة المعادي بوادي المذاب بين الجوف وعمران، أو حول الكسارات كما في منطقة صرف التابعة لبني حشيش، أو في الأسواق التجارية كما في محافظة عمران.
 
إصرار مليشيات الحوثي على السيطرة على أموال القبائل فجر صراعات متصاعدة مع معظم قبائل طوق صنعاء ومازال يفرض حصارا خانقا على منقطة صرف منذ 40 يوما تقريباً، ونظم ملاك الكسارات اعتصامات مشتركة لقبائل بني حشيش وبني الحارث ونهم رفضا لمحاولة حوثية بالسيطرة على ممتلكاتهم.
 
في محافظة الجوف وقعت القبائل وثيقة مشتركة "تعهد قبلي" للدفاع عن أراضيهم ضد العدوان الحوثي الداخلي وفق وصفهم مطلع نوفمبر الجاري، بعد سلسلة هجمات حوثية للسيطرة على عقاراتهم في مناطق الحزم وبرط المراشي والمتون.
 
وفي محافظة البيضاء (وسط) اندلعت اشتباكات عدة بين القبائل والحوثيين إلى الحد الذي توعدت فيه قبائل قيفة بما فيهم حلفاء المليشيا بالقتال ضدها إن لم توقف هجومها على قرية خبزة بقيفة، في يوليو/ تموز الماضي.
 
أما في صنعاء، قال الشيخ يحيى بن يحيى القاضي عضو مجلس النواب الموالي للحوثي إن "المليشيا تنكل بأهالي بني حشيش كما تنكل إسرائيل بأراضي الفلسطينيين". وفي همدان وارحب وبني الحارث وبني مطر تخوض القبائل صراعا شرسا يصل إلى حد الاقتتال لحماية عشرات الآلاف اللبن من عقاراتهم من سيطرة المؤسسات الحوثية.
 
وتعليقا على هذه الأحداث يقول الباحث أيمن نبيل لـ"يمن شباب نت"، إن "مليشيا الحوثي لم تعمد مطلقا على كسب قواعد اجتماعية جديدة، واقتصرت فقط على سلسلة الحروب للإخضاع والسيطرة بالقوة خلافا لما عليه النظامين الإيراني والسوري".
 
وبالتالي – وفق الباحث نبيل- فإنه مهما كانت قوتها (المليشيا) تصطدم بمعارضة اجتماعية لن تكون قوة الحوثي العسكرية قادرة على سحقها دوما".
 
ويرى محمد المقالح عضو اللجنة الثورية والقيادي في مليشيا الحوثي إن أحد أسباب الصراع بين الطرفين هو أن "الحوثي اعتمد على تجنيد القبائل في عدد من الجبهات دون تكوين إطار عسكري واحد للمليشيا يدمجها فيما بينها".
 
حديث المقالح جاء في تغريدة على حسابه في "تويتر" قبل أسبوعين تعليقا على اشتباكات قبلية بين فصيلين حوثيين من قبائل أرحب مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.
 
بالنسبة لآخرين فإن تغولا مهما وبارزا للجناح الإثنى عشري في مليشيا الحوثي يريد تعزيز قدراته المالية لتثبيت مواقعه المهيمنة على حساب بقية الفصائل.
 
ورغم انتهاء الهدنة في أكتوبر الماضي، بدا أن مليشيا الحوثي التي رفضت التمديد للهدنة، غير قادرة على الهجوم أيضاً، وحولت أولويات هجماتها إلى تدمير مصادر المال الحكومية من عائدات النفط والغاز، واستهدفت فعلا بعدد من الغارات سفنا كانت يفترض أن تنقل شحنات النفط إلى الخارج.
 
وفي محاولة من المليشيا لمواجهة سلسلة التمردات القبلية عمدت المليشيا إلى إنشاء سلسلة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لمواجهة التمردات مستغلة أيضاً قدراتها العسكرية التي وجهتها من قتال الحكومة إلى قتال التمرد الداخلي.
 
رغم ذلك قال الشيخ صالح العزي عبدان الشيخ القبلي البارز في قبيلة ذو حسين بالجوف -في منشور على صفحته بالفيسبوك- إن "القبائل سنقاتل عن أراضيها حتى بأطفالها".


 
وبسبب السياسة الحوثية الآنفة الذكر، انهارت علاقة الحوثي بهاشميي الجوف، وقال مصدر قبلي لـ "يمن شباب نت" إن معظم قبائل الهاشميين هناك الذين يسمون أنفسهم الأشراف تخلوا عن مليشيا الحوثي لأنها لم تعتمد عليهم في إدارة محافظة الجوف. واشترك الأشراف في وثيقة قبلية مناهضة للحوثي مطلع نوفمبر الجاري.
 
وطالب عدد من مشايخ الجوف وصولا إلى محافظة إب بتغيير القيادات الحوثية التي تدير المحافظتين. وفي مديرية أرحب طالب الكثير من القبائل بتغيير إدارة الأمن الحوثية فيها. لم تستجب المليشيا حتى الآن لمعظم المطالب وهو مؤشر إضافي لمستقبل أشد ضراوة من الصراع بين الطرفين..
 


- فيديو :


مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر