أيديولوجية الحوثيين المتطرفة وعدم وجود وسيلة ضغط.. ماهي تحديات المساعي الدولية للسلام باليمن؟

[ رفض الحوثيين تمديد الهدنة مطلع أكتوبر الماضي ويهددون بالتصعيد (رويترز) ]

يتمثل التحدي الأساسي في تحقيق حل مستدام للصراع الحالي في اليمن في أن القضايا المطروحة هي أساسية لهوية اليمن وتاريخه، وفي الواقع القضايا لأساسية هي ذاتها التي أعلنت منذ ستينيات القرن الماضي على الأقل عندما أنهت ثورة ناجحة في شمال اليمن الإمامة، كما أنهت ثورة شبه ماركسية في الجنوب الاحتلال البريطاني.
 
وفي تقرير لمركز المجلس الأطلسي الأمريكي للأبحاث «Atlantic Council» - ترجمة "يمن شباب نت" - "على مدار ستة عقود ومنذ ذلك الحين، لم ينجح أي جهد - محلي أو إقليمي أو دولي - لمعالجة قضايا اليمن المستمرة المتمثلة في الحرمان السياسي والتهميش الاقتصادي والظلم الاجتماعي".
 
وأشار التقرير الذي كتبه السفير الأمريكي الأسبق في اليمن جيرالد فيرستاين "منذ بداية الصراع باليمن كانت هناك العديد من المبادرات المحلية للتفاوض على وقف إطلاق النار المحلي، وتبادل الأسرى، وغيرها من الإجراءات لمحاولة التخفيف من أسوأ آثار الصراع على السكان اليمنيين".
 
لكن الجهد الأكبر لإيجاد نهاية دائمة للصراع وإنشاء مسار لحل سياسي شامل، تُرك إلى حد كبير في أيدي الأمم المتحدة والجهات الفاعلة الدولية الأخرى، ففي صيف عام 2016، انهارت مفاوضات الكويت، وعقب ذلك اتفاق ستوكهولم منع تقدم التحالف نحو الحديدو، ومؤخرا في اتفاق الهدنة الذي استمر ستة أشهر منذ أبريل/ نيسان ضمن تدابير بناء الثقة الأكثر تواضعًا.
 
تضمنت الهدنة الأممية، إعادة فتح مطار صنعاء جزئياـ والسماح بدخول شحنات الوقود إلى البلاد عبر ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيين، ورفع الحصار عن تعز ثالث أكبر مدينة في اليمن، ومع ذلك وعلى الرغم من النتيجة الإيجابية الإجمالية لاتفاقيات وقف إطلاق النار، غير أن الحوثيين لم ينفذوا التزاماتهم.
 
ولفت التقرير الأمريكي، إن فشل الحوثيين في تنفيذ التزاماتهم، وخاصة إعادة فتح الطرق حول تعز للسماح بحرية الحركة للسكان، عزز المخاوف بشأن نوايا الجماعة في استئناف عملياتها العسكرية"، كما أشار إلى أن رفض الحوثيين تمديد وقف إطلاق النار للمرة الرابعة في أوائل أكتوبر/ تشرين الأول، أدى إلى زيادة المخاوف من أنهم ربما يستعدون لهجوم عسكري جديد مع استمرار الجهود الدولية للتوسط في اتفاق جديد.
 


وتابع: "من الواضح أنه لا يمكن لأي جهود وساطة تتجاوز تدابير بناء الثقة سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية، أن تنجح في غياب أي مؤشر على إدراك الحوثيين بأن مغامرتهم العسكرية قد وصلت إلى نهايتها"، ولفت إلى "أن التعليقات الأخيرة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة هانز غروندبرغ معربًا عن القلق بشأن احتمال أن يشهد اليمن عودة إلى الصراع المفتوح " تعكس إحباط المجتمع الدولي من تعنت الحوثيين في التفاوض".
 
ووفق مركز الأبحاث الأمريكي "فإن التحدي الرئيسي للمفاوضين المحتملين هو إيجاد وسيلة لممارسة الضغط على الحوثيين"، مشيرا "بأن رؤية الحوثيين الأيديولوجية والذهنية بأنهم الحكام الوحيدون الشرعيون لليمن جعلت من الصعب تحديد نقاط الضغط التي لا تصل إلى حد الهزيمة العسكرية".
 
وأشار: "أن الحوثيين أنفسهم منقسمون داخليًا، حيث يظل البعض ملتزمًا بالقتال حتى تحقيق نصر عسكري كامل بينما سيكون آخرون على استعداد لقبول المشاركة في عملية سياسية، حيث أن الحوافز الاقتصادية بين أولئك الذين أصبحوا أثرياء في اقتصاد الحرب هي أيضًا عامل رادع في دفع الحوثيين نحو التفاوض".
 
بصفتها شريكًا دوليًا رئيسيًا لليمن، يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في لعب دور قيادي في عملية السلام، وفي الواقع تباينت مساهمات الولايات المتحدة في الجهود المبذولة للتوصل إلى نتيجة سلمية، فخلال ولاية إدارة ترامب التي استمرت أربع سنوات، حافظت الولايات المتحدة على دعمها من حيث المبدأ لحل سلمي للصراع اليمني، لكنها لم تفعل شيئًا يذكر للحفاظ على المشاركة العملية لوزير الخارجية جون كيري في عملية التفاوض، وبدلاً من ذلك أيد الرئيس دونالد ترامب بشكل عام سياسات التحالف الذي تقوده السعودية بشأن الصراع في اليمن.
 
لكن ذلك تغير مع مجيء إدارة بايدن، الذي اتخذ خطوتين في بداية فترة ولايته كان يأمل في تحقيق اختراق دبلوماسي في اليمن: عين مبعوثًا خاصًا للصراع وأعلن أن الولايات المتحدة ستلقي بثقلها وراء الجهود الدبلوماسية التي تقودها الأمم المتحدة، وأطلق عملية تهدف إلى استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران، والتي كان يأمل أن تشجع الإيرانيين على لعب دور بناء في إنهاء الصراع في اليمن.
 
وبحسب التقرير الأمريكي "لم تسفر أي من الخطوتين عن النتيجة المرجوة، إذ لا تزال المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني متوقفة ولا يوجد دليل على استعداد إيران لاستخدام نفوذها مع الحوثيين لتشجيعهم على المشاركة في مفاوضات لإنهاء الصراع".
 


وتابع: "في الواقع زادت إيران من إمداداتها غير المشروعة من الأسلحة إلى الحوثيين خلال هذه الفترة الزمنية لتمكين المزيد من الهجمات الفتاكة في اليمن وعلى جيران اليمن ويبدو أنها توسع من استخدامها للحوثيين كعنصر أساسي في "قوة مقاومتها".
 
وبالمثل أظهر الحوثيون مؤشرات على سوء قراءة نوايا بايدن، معتقدين أن أفعاله، وخاصة الضغط على السعودية لإنهاء عملياتها العسكرية في اليمن، ستفتح الباب أمام انتصارهم العسكري، وبدلاً من الموافقة على العودة إلى المفاوضات، زاد الحوثيون من عملياتهم العسكرية حتى أوائل عام 2022 عندما دفعتهم الانتكاسات في محافظتي شبوة ومأرب إلى قبول سلسلة وقف إطلاق النار لمدة شهرين.
 
لا يمكن لليمن أن يبدأ عملية التعافي وإعادة الإعمار في غياب مسار واضح لإنهاء الصراع والاتفاق على أفق سياسي، وبالتالي يجب أن يظل الهدف قصير المدى للمجتمع الدولي هو تحقيق اتفاق ثنائي بين الحوثيين والحكومة، ومع ذلك فإن هذا المرتكز الأساسي بعيد المنال ما لم يقبل الحوثيون بالحاجة إلى أن يكونوا جزءًا من تلك العملية.
 
حتى الآن، قاوم الحوثيون المفاوضات السياسية ولم يقبلوا بالتخلي عن مطالبهم المتطرفة ولم تحدد الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة ولا أي جهة دولية أخرى حتى الآن الوسائل اللازمة لفرض تغيير في موقف الحوثيين، وبالتالي في حين يجب على الأمم المتحدة وشركائها مواصلة الجهود لإشراك الحوثيين والحفاظ على تلك التدابير، لكنها لم تقضي على الضرر الذي يلحق بالسكان اليمنيين، لذلك إن احتمالات تحقيق نهاية شاملة للصراع لا تزال غير مشجعة.
 
في غضون ذلك، قد يكون من الممكن اتباع استراتيجية "احتواء" تسعى إلى تحديد خطط التخفيف لتقليل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية للصراع على المدنيين اليمنيين، خاصة في المناطق البعيدة عن الخطوط الأمامية، بينما يستمر القتال، وفقا للمركز الأمريكي.
 
وأشار "يمكن للجهود التعاونية لاستعادة صادرات الطاقة، على سبيل المثال، العملات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها لاستخدامها في دفع رواتب الخدمة المدنية وتسديد مدفوعات الرعاية الاجتماعية"، لكن التقرير الأمريكي حذر بالقول: "يجب توخي الحذر لضمان ألا تصبح تدابير الاحتواء المؤقتة هذه تسويات وحلول دائمة بحكم الواقع".

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر