اليمن.. محاولة انتحار ناشطة تعرضت لـ "ابتزاز" تُفجّر غضباً واسعاً ودعوات لسن تشريعات قانونية

فجّرت حادثة محاولة انتحار الناشطة اليمنية (سارة علوان)، إثر تعرضها للابتزاز الإلكتروني، موجة من الغضب لدى نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في اليمن، الذين طالبوا بسن تشريعات قانونية لردع هذه الظاهرة التي تصاعدت خلال الآونة الأخيرة جراء الفوضى التي أحدثتها الحرب التي تشهدها البلاد منذ ثماني سنوات.
 
وكانت الناشطة "سارة علوان"، قد حاولت الانتحار عبر إطلاق النار على صدرها من سلاح نوع "مسدس"، مساء أمس في استراحة فندق تاج شمسان بمدينة تعز، وذلك بعد تعرضها للابتزاز الإلكتروني منذ عدة أشهر.
 
وحسب مصادر طبية، فإن "علوان" تم نقلها إلى مستشفى الثورة العام، وفشل الأطباء في استخراج الرصاصة من جسدها حتى اللحظة بسبب وجود مشاكل في الرئة.
 
"علوان" تروي مأساتها
 
قبيل ساعات من الحادثة نشرت "سارة علوان" على صفحتها بـ"فيسبوك" أنها ستقدم على قتل نفسها.
 
وفي منشور لها قالت "علوان" "أنا آسفه لكل الناس الي حبوني، آسفه من قلبي لاتخلوش حد يتكلم عني اني كنت ضعيفة بس تكلموا عن كم انه كان العالم بشع فوق طاقتي".
 
وأضافت: "حاولت بكل ما اوتيت من قوة حاولت قد ماقدر.. خلو بالكم من اهلي حبوهم مثل ماحبيتهم خلوهم فخورين فيني اسالكم بالله فيهم كلموهم يسامحوني وقد ايش كنت كويسه وكيف حاولوا يدمروني".
 
وتابعت: "انا رايحه عند الي أحسن مني ومنهم ومنكم البلاد ذي غير صالحه للعيش القوي الظالم المنافق هو الي بيعيش بس".
 
وأضافت: الناس المنافقة ما تدخلوش تعلقوا انا اكرهكم اكرهكم وعند الله تجتمع الخصوم.. خذوا حقي منهم خذوا حقي من أمجد وامل الي بتسمعوا قصتهم بالفيديو".
 
وقالت أيضا في آخر منشور لها "النت مش مساعدني انشر كل شي بس متأكدة كل الي يحبوني ويعرفوا الموضوع ماب فلتو حقي كيف ما كان يكون".
 
منشور "علوان " لم يكن الوحيد، فطيلة الأسابيع الماضية نشرت عدة منشورات في السياق؛ كما لو أنها قد اتخذت قراراها بفعل ذلك هروباً من حالة الابتزاز التي تعرضت لها، كما أن محاولات أصدقائها فشلت في ثنيها عن ذلك.
 
وتعود القضية إلى نحو ثمانية أشهر وذلك حين أقدمت إحدى جيران "علوان" التي تسكن في عصيفرة (شمالي تعز) بسرقة صورها وتسليمها لأحد أقاربها الذي بدأ في ابتزازها الكترونياً وتهديدها بنشرها، حسب مصاد مطلعة على القضية.
 
تحرك أمني
 
من جهتها أعلنت الأجهزة الأمنية بشرطة محافظة تعز، مساء الأربعاء، تمكنها من ضبط المشتبه به في قضية ابتزاز الناشطة سارة علوان.
 
وقالت شرطة تعز، إنه وحسب المعلومات الأولية فقد تلقت الأجهزة الأمنية مساء اليوم الأربعاء، بلاغًا عن إقدام الناشطة سارة علوان على الانتحار، عبر إطلاق النار على صدرها من سلاح نوع "مسدس" في استراحة فندق تاج شمسان.
 
وأكد بيان شرطة تعز، أن الأجهزة الأمنية بقسم شرطة عصيفرة تمكنت عقب تلقيها البلاغ من ضبط المشتبه به في قضية ابتزازها؛ بناء على الأوليات المتوفرة لدى الجهات المختصة.

وأوضح مصدر أمني، أن القضية كانت منظورة في إدارة البحث الجنائي من تاريخ 12 مايو 2022، بتعرض المذكورة "سارة علوان" لابتزاز من قبل أرقام مجهولة محلية، وأخرى دولية بدءا من تاريخ 5 فبراير 2022م.
 
وحسب المصدر الأمني، فقد باشر المختصون إجراءات التحري والمتابعة وجمع الأدلة حتى تم التمكن من تحديد هوية المبتز.
 
وأوضح المصدر، أنه عقب تحديد هوية المبتز، طلب والد "سارة" إيقاف الإجراءات في تاريخ 29 اغسطس 2022، بمبرر وجود مساعي صلح باعتبار أن "المبتز" من جيران منزل أسرة الضحية.
 
وأكدت أن الأجهزة ستواصل إجراءاتها لاستكمال ملف القضية، وإحالتها إلى جهة الاختصاص.
 

غضب عارم
 
وأثارت الحادثة غضب المجتمع اليمني والحقوقي وتحولت إلى قضية رأي، وتفاعل المئات على منصات التواصل مع الحادثة، الذين طالبوا الأجهزة الأمنية بضرورة القبض على الشخص الذي قام بابتزاز الفتاة، وكل من تعاون معه وسن قوانين رادعة إزاء تلك الجرائم الآخذة في التصاعد.
 
الإعلامي "طارق البنا" دعا إلى عدم ترك قضية "علوان" تمر بصمت، داعياً إلى أن "تكون منطلقا لحملة مجتمعية تواجه حالات الابتزاز بعد تزايدها مؤخرا بشكل كارثي"، مضيفاً: "مثل هذه القضايا تستوجب تعاونا مشتركا بين المجتمع والدولة".
 
وشدد على ضرورة الوعي لدى الفتيات ووعي الأهالي وثقتهم وتفهمهم وعدم ترك فلذات أكبادهم ضحايا لمن لا يعرف الحرام.
 


وأدانت الناشطة السياسية نورا الجوري الحادثة قائلة: "ما أحقر الابتزاز وما هو إلا وسيله قذره لتهديد الناس وإركاعهم لتحقيق المطالب وغالباً لا يأتي من الغرباء بل من أشخاص عرفناهم ووثقنا بهم".
 
وأضافت: "ما تعرضت له سارة علوان مؤلم جداً وقد تتعرض له أي فتاة لكن الفارق في مدى قوة المرأة على مواجهة المبتز وفضحه وعدم الرضوخ له".
 
بدوره قال الشاعر "عامر السعيدي" في تغريدة على تويتر: "أي روح رخيصة وأي قلب مريض وأي دناءة تدفع الإنسان لابتزاز امرأة وثقت به أو احتال عليها أو مكّنتهُ الصدفة واللؤم منها".
 
وأضاف: "لتكن قضية سارة علوان دافعا لإيقاظ المجتمع من علة التواطؤ ونذالة السكوت على هذه الأفعال بحق النساء، خصوصا في ظل غياب الدولة والقانون واستغلال بعض رجال الأمن للضحايا".
 
من جهته حمّل الناشط "نصر العفيف"، الدولة والمجتمع والأسرة، مسؤولية ماحدث، قائلاً: "سارة علوان تطلق النار على هشاشتنا وتبلدنا جميعا..أطلقت النار علينا جميعا دولة ومجتمع ونخب افراد وأسر ونخب وإعلام.. أطلقت النار على الأخلاق العامة واسطوانة المجتمع المحافظ والعادات والتقاليد.. أطلقت النار على غياب الحماية الإجتماعية والفكر الذي جعل الفتيات وصمة اجتماعية عرضة للإبتزاز".
 
وتابع: "مسألة الفضيحة كتهمة جاهزة دونما تفهم.. جعلت الفتاة تموت ألف مرة من الخوف والذعر فيما لاذنب لها به أطلقت النار على الصمت تجاه التغافل والتبلد تجاه الظواهر التي تزامنت مع الثورة التقنية ولم يتم مواكبة تداعيات هذه الثورة رسميا وقضائيا وأمنيا واجتماعيا وفكريا واعلاميا".
 
ودعا الصحفي "عبدالرحمن الشوافي"، الأسر أن تكون مصدر القوة والأمان للبنت، مشدداً على ضرورة تحلي أي فتاة تعرضت لنوع من الابتزاز بالشجاعة ومصارحة أهلها.
 
وأشار إلى أن السيطرة على قضايا الإبتزاز الإلكتروني في الحقيقة أمر صعب خصوصًا وأن الموضوع يرتبط في بداية الأمر بالعواطف والثقة وينتهي بقضايا مؤسفة.
 

سن قوانين
 
يخلو الدستور اليمني من التشريعات المتخصصة بمكافحة الجريمة الإلكترونية التي تنتشر مع توسع العالم الافتراضي والرقمي.
 
وفي هذا الصدد طالبت الحقوقية، هدى الصراري، بإنشاء قانون لمكافحة جرائم الابتزاز الإلكتروني قائله: "هل آن الاوان لانشاء قانون لمكافحة الابتزاز والجرائم الالكترونية لحماية النساء والفتيات في اليمن من جرائم الابتزاز والتهديد والتحريض والعنف في شتى المجالات، والتي تظهر المؤشرات زيادة في العدد بسبب غياب اليات المسائلة والحماية القانونية وضعف التشريعات".
 
وأشارت في تغريدة على تويتر: إلى أنه "تتعرض الكثير من النساء تحديدا للابتزاز والتهديد أكثر من غيرهن من الفئات الأخرى وبحكم مجتمعنا والأحكام المسبقة ووصمة العار تضطر الكثيرات للخضوع وفي الأخير إيقاع الاذى بنفسها نريد تخصيص قانون لمكافحة العنف ضد النساء ومن ضمنها تضمين تجريم الابتزاز الالكتروني".


عوامل وراء تنامي "الظاهرة"
 
يشير مختصون في أمن المعلومات، أن ظاهرة الابتزاز الإلكتروني في اليمن برزت بشكل مكثف خلال السنوات الأخيرة ويرجع ذلك إلى الفوضى السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد نتيجة الحرب التي خلقت مناخا ملائما لازدهار مثل هذه الجرائم.
 
ويرجأ غالبية المراقبين، تفشي الظاهرة التي تستهدف "النساء في المقام الأول"، بسبب العادات والتقاليد التي تحكم الأسر اليمنية والتي تتعامل مع أي قضايا من هذا النوع بأنها جريمة وعيب.
 
كما يبرز غياب الوعي الرقمي بين اليمنيين وقلة المتطوعين في تقديم الاستشارات الأسرية كأبرز الأسباب التي ساهمت في تفشي الظاهرة، خاصة مع التطور السريع التي يشهده قطاع الاتصالات والعالم الرقمي.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر