"الهدنة" تخلق تحديات صعبة أمام الحوثي في مواجهة الشعب وسط تراكم الاحتجاجات الرافضة له

  في أحدث خطاب للقيادي الحوثي "يوسف الفيشي"، زعم فيه أن الشعب (في مناطق سيطرة جماعته) سيذهب مع قائده، (أي عبد الملك الحوثي)، في الخيارات التي يقررها ردا على الضغوط التي يعانيها الشعب، رغم الهدنة.
 
والفيشي، شخص قبلي (لا هاشمي)، برز اسمه قبيل إسقاط جماعته العاصمة صنعاء في 2014. وكان لافتا أكثر ظهوره إلى جانب الرئيس السابق "علي صالح"، اثناء توقيع وثيقة التحالف الانقلابي بين الحوثي والمؤتمر الشعبي، التي نشأ بموجبها ما سمي المجلس السياسي الأعلى (2016)، بديلا عن اللجنة الثورية العليا (الحوثية).
 
لاحقا توارى يوسف الفيشي عن الأنظار لفترة؛ وقيل إنه هُمِّش من قبل الجماعة لأسباب غير واضحة تماما، بينها الصراع الداخلي المتجذر بين قيادات السلالة الهاشمية المسيطرة على القرار الأعلى، وبين بقية القيادات القبلية الأخرى المنتمية للجماعة من خارج السلالة، الأمر الذي يعتقد أنه وراء اتهامه بتقديم وعودا للرئيس السابق (صالح) أثناء النقاشات حول تقاسم مناصب الجيش بين الشركاء، دون العودة لقياداته العليا..!!
 
وبرغم ذلك، قيل إن الفيشي يعد أحد أهم القيادات التي يعتمد عليها الحوثي في التحرك وسط القبائل، لما له من تأثير عليها، خدمة لمصالح الجماعة وتوجهاتها السياسية. وربما يعزز ذلك ظهوره، بين الحين والأخر، في المواضع التي تكون فيه الجماعة بحاجته لأمر ما مرتبط بالقبيلة..
 

 

ظهور عند الحاجة

 بعد سنوات من الغياب، ظهر الفيشي في ذروة الهجوم الحوثي على مأرب السنة الماضية، حين كانت الجماعة تتوقع الانتصار في مأرب، وتريد من القبائل الدفع بأبنائها للتعويض عن أعداد القتلى الفادحة في صفوفها. وحينها استخدم الرجل في تحقيق هذا الهدف، فزاد عدد القتلى، فيما أخفقت الجماعة في السيطرة على مأرب حتى الآن..!!
 
أما الظهور الثاني، الواضح، للفيشي، فجاء مع الاضطرابات التي شهدتها عدد من مناطق الحوثيين، إبان الهدنة الأولى التي اقترحها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ، بين الحكومة اليمنية والتحالف العربي من جهة، وجماعة الحوثي الإيرانية من جهة أخرى، واستمرت لمدة شهرين (منذ مطلع أبريل/ نيسان الماضي)، ومددت مجددا في يونيو/ حزيران الجاري لمدة شهرين آخرين..
 
فحين ظهرت بوادر انتفاضة شعبية متفرقة، لكنها مؤثرة في عدد من المحافظات التي يسيطر عليها الحوثي، لجأت الجماعة مرة أخرى إلى خدمات يوسف الفيشي، لتوظيف تلك الضغوط الشعبية الهائلة ضد الجماعة، بمحاولة حرفها في الاتجاه الآخر ضد التحالف والحكومة اليمنية..
 
على إثر ذلك، ظهر الفيشي في خطاب مصور له، نشر مقتطفات منه على حسابه بتويتر منتصف يونيو/ حزيران الجاري، ليقول إن الأزمة الاقتصادية الطاحنة في مناطق جماعته سببها الأساس هو الحكومة (الشرعية)، والعقود الماضية من عمر الجمهورية، كما أرجع ارتفاع أسعار الوقود إلى ارتفاع سعره عالميا.
 
وفي السياق، زعم "أن الشعب قد يكون مع عبد الملك الحوثي تماما لمواجهة تلك الأزمة"، في محاولة واضحة لتجنيب جماعته الحوثية مسؤولية تلك الأزمة الطاحنة، التي تكاد تعصف بالجماعة رغم وجود الهدنة..!!
 
 
أزمة مفتعلة.. وبوادر مواجهة شعبية
 
 أدت الهزيمة المذلة للحوثي في مأرب وشبوة، إلى تحطيم أسطورته العسكرية (الوهمية)، فبدى وكأنه قد خسر المعركة المركزية في الصراع الممتد منذ سنوات، بعد أن كان يصور نفسه على أنه قاب قوسين أو أدنى من النصر الحاسم، والظفر بكل البلاد، وليس المحافظات النفطية الثلاث وحدها فحسب (مأرب، شبوة، وحضرموت).
 
في الجانب الآخر، من المعركة الاقتصادية، فرضت الجماعة الحوثية- التي تحتكر تجارة الوقود في مناطق سيطرتها- حظرا على جميع واردات الوقود المتدفقة إلى البلاد عبر موانئ الحكومة الشرعية في عدن وحضرموت والمهرة، وينقلها تجار وقود محليون برا عبر محافظة الجوف إلى صنعاء، ونتيجة لذلك تسببت بأزمة وقود خانقة عانى منها السكان والقطاعات الاقتصادية والتجارية في العاصمة صنعاء..!!
 
وتفيد بيانات رسمية حديثة، صادرة عن المجلس الاقتصادي الأعلى التابع للحكومة الشرعية، أن ميناء الحديدة، الواقع تحت سيطرة الحوثيين، استقبل خلال الربعين الأولين من العامين 2019 و2020، ما نسبته 50% من واردات الوقود إلى اليمن- أي أن مناطق سيطرة الحوثي كانت تعتمد بنسبة كبيرة على الوقود القادم برا من موانئ الحكومة بموجب القرارين الحكوميين 49 و75، اللذين ينظمان هذه التجارة، بموجب اتفاقات سابقة مع الأمم المتحدة.
 
وفي المحصلة؛ أدت الأزمة التي افتعلتها قيادة الجماعة الحوثية إلى سلسلة من الجرع السعرية على الوقود، في الفترة بين: يناير وابريل (2022)، إلى غضب شعبي هائل، حيث رفع خلالها اللوبي الحوثي المسيطر على تجارة النفط، سعر صفيحة البترول (سعة 20 لترا) من 7,000 ريال يمني- بالطبعة القديمة- إلى 9,900 ريال، ثم إلى 16,000 ريال..
 

 
ثم، ومع ذروة الغضب الشعبي، خفضت الجماعة السعر إلى 12,800 ريال، بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ، رافقته سلسلة من الارتفاعات السعرية لمعظم المواد الغذائية والاستهلاكية والصحية والخدمية، رغم ثبات سعر الصرف (الوهمي) في مناطق سيطرتها.
 
ومع بلوغ الأزمة ذروتها، في فبراير/ شباط الماضي، أصدر تجار الوقود برا، بيانا موجها إلى عبد الملك الحوثي، حمّلوا فيه جماعته، التي تدير شركة النفط، مسؤولية الأزمة، بالإضافة إلى شركة خاصة "خفية" تعمل داخل شركة النفط، تدعى "دروب الاتحاد"، واتهموهم بالتسبب "عمدا" بتلك الجرع السعرية وأزمة الوقود الخانقة..
 
 كما أتهم البيان شركة النفط بعدة اتهامات، بينها: أنها تتعمد إخفاء الوقود في ميناء الحديدة، ومنطقة "الصباحة"- المنفذ الغربي للعاصمة صنعاء- ولا تسدد التجار مستحقاتهم، وتشتريه منهم غصبا، وتمنع عنهم بيعه مباشرة للمحطات، فضلا عن أنها تعمل على إنشاء طبقة جديدة من تجار الوقود من قيادات الجماعة.
 
 
مواجهات مسلحة
 
في سياق متصل بضعف قبضة الميليشيات الحوثية، وتردي سمعتها الشعبية عموما، وبين القبائل خصوصا (حيث يفترض أن القيادي الفيشي أحد الأقوياء الذين يعتمد عليهم الحوثي في السيطرة عليها لإبقائها طيعة بيد سلطات "الأمر الواقع" في صنعاء)، فقد ظهر أن العلاقة بين الجماعة والقبيلة لم تعد- مؤخرا- على ما يرام، وفقا لعدد من الأحداث التي رصدها "يمن شباب نت" خلال السنتين الأخيرتين..
 
فبحسب إحصائية خاصة، اعتمدت على "مصادر وثيقة الاطلاع"، تعرض أكثر من 16 عنصرا حوثيا للقتل في مواجهات وهجمات شنها مسلحون قبليون على نقاط وآليات حوثية في محافظتي الجوف وعمران..
 
وأشارت المصادر إلى أن الهجمات والاشتباكات المتبادلة، أدت إلى اصطفاف وفرز قبلي؛ حيث يحتشد أبناء القبائل في مواجهة الحوثيين، مثل المواجهات التي تكررت عدة مرات منذ يناير الماضي بين قبائل بني نوف وجماعة الحوثي.
 
وخلال الشهور القليلة الماضية، تكررت الهجمات المتبادلة مع ميليشيات الحوثي، في مديريات عيال سريح في عمران، وفي العشة، والقفلة، وغيرها من المناطق..
 
ومنذ مطلع يونيو/ حزيران الجاري، قتل العشرات، في سلسلة من المعارك القبلية في مناطق متفرقة تابعة للحوثي، منها في الحداء بذمار، وأخرى بين سفيان (من عمران) وذو محمد (من الجوف).. كما اندلعت اشتباكات أخرى بين سفيان من بكيل وحوث من حاشد..
 
وفي حين لوحظ أن وتيرة المواجهات ازدادت منذ بدء الهدنة الأخيرة (في أبريل)، تفيد المعلومات أن الاشتباكات في الغالب تستمر لساعات، قبل أن تنتهي: إما بتحقيق المطالب القبلية، أو بحملة عسكرية حوثية، أو بوساطات قبلية.. ما يعني أن جذر المواجهات وأسبابها ما زالت قائمة وفاعلة وتتطور أكثر..
 
وتعددت أسباب نشوب تلك المواجهات القبلية مع مسلحي الحوثي، إلا أن أزمات الوقود، والعقارات، والجبايات الحوثية، ورفض الانصياع للقرارات الجماعة..، تعد العامل الرئيس المفجر للحروب، التي تتطور وتتزايد باستمرار في عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات..
 
كما لا تغيب الصراعات والخلافات الداخلية، المتفجرة على أساس مذهبي وعقدي، عن هذه المعارك. على سبيل المثال؛ يعد رفض اعتراف جماعة المؤيدي الضحياني بإمامة عبد الملك الحوثي، أحد أهم أسباب الحملات العسكرية الحوثية على معاقل هذه الجماعة.
 

[أقرأ أيضا: ميلشيات الحوثي لا تكترث.. إرتفاع الأسعار كابوس مرعب يلازم حياة المواطنين في صنعاء]

 
 
مسار تراكمي في الاحتجاجات السلمية

معلوم أنه، ومنذ سيطرتها على صنعاء، ومحاولتها إسقاط الجمهورية؛ حظرت الميليشيات الحوثية كافة أنواع الاحتجاجات السلمية، ولم تسمح سوى بتنظيم فعالياتها المسلحة خلال السنوات الثلاث الأولى من التدخل العربي..
 
ومع تشديد الحوثي قبضته الأمنية، اختفت الاحتجاجات المطلبية، أو الخدمية، أو القبلية، بشكل شبه كلي، باستثناء محدود لبعض القبائل القوية (المتضررة من تصرفات قيادات الجماعة) أو النقابات، أو كل ما يصب لمصلحة دعم الجماعة ضد ما يسمى (العدوان)..
 
وفي بعض الأحيان، شهدت مناطق الحوثي احتجاجات شعبية دون رضى الجماعة، وإن كانت بالعشرات، كما حدث إثر جريمة مقتل الشاب الأغبري في صنعاء وتسريب مقاطع التعذيب الوحشي الذي تعرض له، حيث استمرت لمدة يومين فقط، لتتوقف بعد قيام مسلحي الحوثي بخطف عشرات المحتجين..!!
 
على أنه يمكن القول إن النصف الثاني من العام 2021، شكل فاصلا مهما في المعارضة الشعبية السلمية ضد الحوثي في صنعاء وعدد من المحافظات، والتي بدأت، مع نهاية العام، بتصدر سكان المدن السكنية بصنعاء لسلسلة من الوقفات الاحتجاجية المنظمة أمام مكاتب رئاسة الجمهورية ومجلس النواب وشارعي التحرير والزبيري، بأمانة العاصمة، ضد بسط الحوثيين أيديهم على آلاف المنازل والعقارات.  وفي يونيو الجاري شهدت تلك الاحتجاجات تطورا ملحوظا حين أقدم المحتجون على هدم أسوار اسمنتية كان المدعو عبد المجيد الحوثي قد بناها عنوة حول متنفسات المدن السكنية بمنطقة سعوان.
 
وجاء هذا التطور بعد أشهر قليلة على حراك مارس/ آذار (2022) الاحتجاجي، الذي يعتقد أنه كان أكثر تأثيرا ولفتا للانتباه، حيث انتشرت في الشوارع، فجأة، شعارات سياسية مناهضة للحوثي، كتبت على الجدران في مناطق متفرقة وسط العاصمة صنعاء، تطالب الحوثي بالرحيل، على غرار الشعارات التي سادت إبان ثورة 2011، لتتوسع الحركة أكثر خارج صنعاء، نحو محافظات حوثية أخرى، كـ: البيضاء وإب، وغيرها..
 
واستنفرت الجماعة الحوثية قواتها الأمنية والاستخباراتية ومختلف أجهزتها وعناصرها في البحث ومطاردة المشتبهين بكتابة تلك الشعارات المناهضة، وخطفت العشرات، فيما توعدت سكان المنازل وموظفي المؤسسات، التي تظهر على جدرانها مثل تلك الشعارات، بالخطف والعقاب إن كتبت أي شعارات مجددا على جدرانهم، أو بالقرب منهم..
 
كما اندلعت مظاهرات واحتجاجات واسعة في عدد من السجون التي تديرها ميليشيات الحوثي، كان أخرها انتفاضة المساجين في السجن المركزي برداع- محافظة البيضاء- في يونيو الجاري، التي سارعت الجماعة الحوثية في قمعها مستخدمة الرصاص الحي، ونقلت بعض السجناء إلى محافظة ذمار المجاورة.
 
وشكلت النقابات في السنتين الماضيتين، خصوصا نقابات: المحامين، الصيادلة، الأشغال العامة، البلدية، وموظفي بعض القطاعات؛ أداة ضغط جديدة فاعلة في مواجهة الصلف الحوثي، حتى أن بعضها انتزعت فعلا بعض المطالب قسرا من الحوثي، الذي بدأ يشعر بالضعف والرضوخ الإجباري تحت وقع ضغط مطالب بعض تلك القطاعات القوية والمؤثرة..
 

 

تحت الضغط الشعبي المستمر
 
كشفت معارك مأرب الطويلة الفاصلة، وما استتبعها من معركة تحرير مديريات شبوة الثلاث في ظرف عشرة أيام مطلع العام من قبل ألوية العمالقة، حقيقة ما آلت إليه أوهام القوة العسكرية الحوثية، التي لم تعد قادرة على إنجاز شيء يذكر على الأرض. الأمر الذي خلق لدى السكان، في مناطق سيطرتهم، قوة داخلية خفية جعلتهم قادرين مناوئة الظلم، المفروض عليهم لسنوات، بطرق احتجاجية مختلفة، لم يكونوا قادرين عليها قبل ذلك..
 
ثم جاءت الهدنة الأخيرة لتدق مسمارا إضافيا آخر في نعش الميليشيات، التي وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع مطالب واحتياجات الناس المعيشية. ومع استمرارية الاحتجاجات الشعبية السلمية المتراكمة، التي ظلت تبرز هنا أو هناك، منذ مطلع العام الجاري، بدأ المواطنون أكثر بقوتهم من خلال إجبار الجماعة المتسلطة على تحقيق ولو بعض مطالبهم بفعل الضغط الشعبي.  
 
وكما أدى ضغط المواطنين، المطالبين بخفض الوقود بعد الهدنة، إلى إجبار الجماعة على خفض محدود لأسعار النفط في أبريل الماضي.. فقد أدت حملة الضغط الشعبي الجدية في الحديدة أيضا، بخصوص أزمة الكهرباء المحلية، إلى تشكيل لجنة حوثية لتشغيل محطات تمنح السكان عدة ميجاوات إضافية من الكهرباء، كما تم نقل مولدات طاقة حكومية من صنعاء إلى الحديدة.. في أهم وأوضح رضوخ حوثي لمطالب السكان المحليين في توفير الخدمات، منذ فرضت الجماعة سيطرتها على تلك المناطق.
 
ومع ازدياد منسوب الأزمات المتراكمة عاما بعد آخر، نتيجة سياسة الحوثيين القائمة على تجاهل الحلول الجذرية، أو تأجيلها لمراكمتها، وانتهاجهم- بدلا عن ذلك- سياسة عدائية مع السكان لإبقائهم تحت السيطرة القهرية؛ فمن المرجح، والطبيعي، أن تزداد نسبة الانفجارات الشعبية الضاغطة..
 
 وباتت الرواتب، ومواجهة الغلاء الفاحش، وإصلاح القضاء، ووقف الفساد المتفشي والجبايات غير القانونية، وفتح الطرقات المغلقة من جانب الجماعة، وضرورة توفير أبسط المتطلبات والخدمات العامة (كالوقود بمختلف مشتقاته، والكهرباء)،..، مشاكل حقيقية تواجه الميليشيات الانقلابية نتيجة تزايد المطالب الشعبية بضرورة حلها.
 

[اقرأ أيضا: رجل أعمال يروي لـ "يمن شباب نت" كيف احتال الحوثيون عليه ونهبوا شركته: إذا غريمك "هاشمي" فمن تشارع..؟!]

 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر