نازحو اليمن والمتغيرات السياسية: معاناة الحرب الطويلة والسلام المأمول

[ استمرار معاناة النازحين في اليمن - وكالات ]

خلا الإعلان الرئاسي الذي أصدره الرئيس عبد ربه منصور هادي في الرياض فجر الخميس 7 نيسان/أبريل الجاري، وتم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، وعضوية ثمانية آخرين، خلا من أي إشارة إلى قضايا النازحين، رغم معاناتهم التي لا تخفى على أحد.
 
لكن هذه القضية لم تغب عن قيادة المجلس الرئاسي، الذي أدى اليمين الدستورية الثلاثاء الماضي في العاصمة المؤقتة عدن. حيث أكد رئيس المجلس رشاد العليمي في كلمته أمام الحكومة والبرلمان أن المجلس يولي "اهتمامًا كبيرًا بقضايا النازحين".
 
ووجّه رشاد العليمي: "الحكومة بمضاعفة الجهود؛ لتخفيف حدة الظروف القاسية التي تطال النازحين في مختلف ربوع البلاد"، داعيًا في الوقت نفسه "الأشقاء والمجتمع الدولي إلى تقديم مزيد من الدعم والاهتمام بالنازحين".
 

أرقام واحصاءات
 
تقدّر أعداد النازحين اليمنيين في الداخل بنحو 4 ملايين و100 ألف، موزعين على مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، والحوثيين، منهم 3 ملايين في المحافظات المحررة، مقابل مليون و300 ألف نازح في مناطق سيطرة الحوثي، بحسب تقرير أصدرته الوحدة التنفيذية للنازحين في عدن، خلال كانون الأول/ديسمبر 2021م.
 
وحسب تقرير الوحدة التنفيذية (حكومية) فأن محافظة مأرب تحتضن أكثر من 2 مليون نازح من مختلف المحافظات اليمنية، أي ما نسبته 61% من إجمالي عدد النازحين في اليمن، تشكّل النساء 51%.
 
فيما أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ارتفاع أعداد النازحين اليمنيين داخليًا، مقدّرة أعدادهم بأكثر من 4.3 ملايين نازح حاليًا، منهم 30 ألف نزحوا خلال الربع الأول من العام الجاري 2022 وفق بيان لها نشرته الأسبوع المنصرم، وهو الرقم ذاته الذي ذكره مارتن غريفيث وكيل الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في إحاطته الأخيرة إلى مجلس الأمن منتصف آذار/مارس الماضي.
 
ورغم التباين في أعداد واحصاءات النازحين داخليًا بين الجهات الحكومية، والمنظمات الدولية؛ إلا أن المعاناة تظل هي القاسم المشترك لهذه الشريحة التي تحتاج رعاية وتأهيل، خصوصًا في ظل استمرار الحرب التي تشهدها البلاد منذ انقلاب الحوثي على الدولة في سبتمبر 2014، وما يترتب عليه من زيادة مستمرة في أعداد النازحين.


الحماية الدولية للنازحين
 
يقصد بالحماية "جميع الاجراءات التي تهدف إلى الحفاظ على السلامة الفردية والرفاهية وفقا لنص وروح القوانين ذات الصلة". وبموجب القانون الدولي تقع على عاتق الدولة مسؤولية حماية الأشخاص الخاضعين لولايتها بمن فيهم النازحين، من خلال احترام حقوقهم وحمايتها والوفاء بها، وإنشاء آليات ووسائل لإعمال هذه الحقوق والسماح بها بطريقة مجديّة.
 
ولا شك أن حماية الأشخاص النازحين وغيرهم من الفئات المماثلة كالمهاجرين واللاجئين مقننّة في صكوك حقوق الإنسان وفي قواعد العمل، والقانون الإنساني، والقانون الدولي الجنائي أو ما يعرف بالقانون الجنائي العابر للحدود الوطنية، والقوانين الوطنية والمسؤوليات القنصلية.
 
وحسب فقهاء القانون الدولي، فأن هذه القوانين أو الأدوات لا تصاحبها في كثير من الأحيان آليات التنفيذ اللازمة لحماية ومساعدة النازحين ومن في حكمهم؛ لذلك يحتاج هؤلاء إلى دعم لإنفاذ حقوقهم والحصول على الحماية من الدولة والجهات الفاعلة الأخرى المكلفة كالمنظمات الدولية ذات الصلة، وتحديدًا المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الهجرة الدولية وغيرهما.
 
وتتنوع حماية النازحين من نواح مختلفة فبالإضافة إلى حماية حقوق الإنسان، يحتاج النازحون إلى حماية قانونية وحماية مادية، واجتماعية وانسانية، اضافة إلى حماية ذات الفئات الخاصة كالأطفال والنساء والأشخاص النازحين من ذوي الإعاقة.


أسوأ أزمة إنسانية
 
"النزوح" هو الخطوة الأولى التي يقوم بها المدنيون عادة للفرار من الحرب. ويصنّف النازح رجلا كان أو امرأة بأنه إحدى الفئات الضعيفة التي تحتاج للرعاية والاهتمام؛ باعتبارهم أكثر الفئات عرضة لمخاطر العنف والاستغلال أو الايذاء؛ نظرا لقدرتهم المحدودة عادة على تجنب أو مقاومة أو مواجهة العنف أو الاستغلال أو التعافي منه، ما يتوجب العمل على إحاطة هذه الفئات بكل الرعاية والاهتمام.
 
في تقاريرها المتوالية، وصفت الأمم المتحدة الأزمة في اليمن بأنها "أسوأ أزمة إنسانية في العالم للعام السادس على التوالي"، مؤكدة أنه بنهاية 2021 كان هناك 21 مليون يمني (66% من سكان البلاد) ممن هم بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك 4 ملايين نازح داخلياً.
 
ورغم الإعلانات المتوالية التي نسمعها عن تمويل أممي ودولي للنازحين في اليمن؛ إلا أن معاناة النازحين لا تزال سيدة الموقف، خصوصا مع اقتصار المساعدات المقدمة للنازحين على السلال الغذائية وبعض الأنشطة التي لا ترقى إلى تلبية احتياجاتهم الرئيسية، وتوفير المشاريع ذات التنمية المستدامة.
 
وبالنظر إلى المشاريع المقدّمة من المنظمات الدولية والأممية للنازحين في اليمن، فأن تلك المساعدات وإن كانت تغطي جانب من جوانب احتياجاتهم، إلا أن تلك المشاريع تجعل النازحين بانتظار المساعدات الإنسانية دون العمل على تقديم المشاريع التي من شأنها تحويل النازح من محتاج إلى منتج.


معاناة لا تنتهي
 
تعتبر الأمم المتحدة، "النزوح الطويل" من الأسباب الرئيسية لتنامي حالة الفقر، وانعدام الأمن الغذائي بين مجتمعات النازحين. في اليمن نزح الملايين منذ ستة وأعوام وأكثر، في الوقت الذي اضطر فيه البعض منهم للفرار عدة مرات، مما أدى إلى إجهاد مواردهم الشحيحة، وزيادة اعتمادهم على المساعدات الإنسانية، وفق المنظمة الأممية.
 
وبناءً على عمليات تقييم أجرتها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، فإن 64 في المائة من العائلات النازحة في اليمن ليس لديها مصادر دخل. ويكسب آخرون أقل من 50 دولارًا أمريكيًا في الشهر لتغطية احتياجاتهم المعيشية.
 
ونتيجة لذلك، فإن عائلتين من كل ثلاث عائلات نازحة في اليمن "تلجأ لآليات تكيف غير سليمة من أجل البقاء، كالحد من وجباتهم الغذائية أو تخطيها، أو إخراج أطفالهم من المدرسة أو تجاهل أمور العناية بالصحة. وينتهي الأمر بالبعض بالتسول أو بيع ما تبقى من حاجياتهم، فيما مشكلة زواج الأطفال آخذة في الارتفاع".


النساء النازحات
 
تكشف الاحصائيات الرسمية، أن 51 % من نسبة النازحين في اليمن من النساء، وأن الحرب التي شنها الحوثيون منذ انقلابهم على الدولة ضاعف من معاناة المرأة اليمنية.
 
وتعد النساء من أكثر الفئات المتضررة من النزوح، باعتبارها من الفئات الضعيفة، إذ يشكل النزوح عبئا إضافيًا عليها، كونها تنتقل من مجتمع إلى أخر لم تألفه من قبل، ولم تعتاد العيش فيه، وهذه حالة يضاعف عليها المعاناة، مثل تربية الأطفال، وتحسين سبل العيش وغيرها.
 
رئيس الوحدة التنفيذية للنازحين أكد في مقابلة سابقة مع قناة "يمن شباب"، أن "هناك أكثر من 41 ألف أسرة من النازحات في مأرب تعيلها نساء، إضافة إلى أكثر من 3600 من الأسر النازحة تعيلها نساء أطفال أي دون سن الـ 18".
 
وضاعفت الحرب من معاناة النساء في اليمن، كونها تتحمل العبء الأكبر في هذه الحرب، فالذين قتلوا في المعارك أصبحت المرأة هي من تعيل الأسرة، وتقوم مقام الرجل في كسب سبل العيش وتربية الأطفال وغيرها من المهام التي تتحملها المرأة، عقب فقدان عائلها.
 
وعلى الرغم من المشاريع التي تقوم بها المنظمات لدعم النساء النازحات؛ إلا أن هذا الدعم لا يرقى إلى مستوى احتياج المرأة، كون المرأة تحتاج إضافة إلى برامج الحماية تحتاج إلى برامج التأهيل الخاصة، والدعم النفسي والتمكين وغيرها.
 
والنازحون مجتمع مصغّر يجمع المرأة والرجل والطفل والمسن وغيرهم، إضافة إلى امتلاك البعض منهم، وتحديدا النساء لعدة حرف ومهن مختلفة، فمنهن الرسامات، والعاملات في مجال الخياطة، وغيرها من الحرف اليدوية؛ ولذا فهن يبحثن عن مشاريع لكسب العيش وإدرار الدخل؛ لإعالة أسرهن.
 

السلام وعودة النازحين
 
تظل الخدمات المقدمة للنازحين، عبارة عن حلول آنية لمعالجة مشاكل هذه الشريحة التي باتت تمثل رقمًا صعبًا داخل المجتمع اليمني بالنظر إلى أعدادها المذكورة آنفًا، وينبغي عدم الاستهانة بها مطلقا، وأن تأخذ حيزًا من اهتمامات المجلس الرئاسي والحكومة لمعالجة وضع هذه الشريحة.
 
وتكمن الحلول النهائية لمعالجة وضع النازحين هي السلام الدائم في البلاد؛ لضمان عودتهم إلى ديارهم. فاستمرار الحرب يعني مزيدًا من الأسر النازحة، ومزيدًا من الاحتياجات والصعوبات، فلا يمكن الحديث عن حلول دون انهاء الحرب وإحلال السلام في البلاد.
 
وبالنطر إلى نص الإعلان الرئاسي الأخير، الذي تم بموجبه نقل السلطة من الرئيس هادي إلى رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، فأن مهمة المجلس التفاوض مع الحوثيين الذين وصفهم الإعلان بـ"أنصار الله"، للوصول إلى سلام شامل في البلاد.
 
ما يعني أن حل مشكلة النازحين، مرهونة بقدرة المجلس على العبور بالبلاد إلى بر الأمان، وإنهاء الحرب، ومعالجة أسبابه وآثاره، والتي لا شك يمثل النزوح والنازحين أحد آثارها الكبيرة، والتي تحتاج إلى رؤية واضحة لمعالجتها، ما لم فسيظل المستقبل مجهولا بالنسبة لهذه الشريحة حتى تضع الحرب أوزارها.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر