غارات جوية مركزة شمالا بالتزامن مع تحولات برية غربا.. قراءة أولية في التطورات الأخيرة لمسار الحرب (تقرير خاص)

  لأول مرة، منذ منتصف 2018 تقريبا، يشن التحالف العربي غارات جوية دقيقة ومركزة على مواقع حوثية في صنعاء، بعد أن كان الحوثيون وقاداتهم- ومعهم خبراء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني العاملين معهم- في مأمن تام من الغارات الجوية في "العاصمة الرابعة" التي تحتلها إيران..
 
وجاءت الغارات الأخيرة على المواقع الحوثية، بعد إعلان صريح من التحالف في مطلع العملية التي بدأت في الـ18 من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، لتتوالى الضربات الجوية المركزة على عدد من المواقع العسكرية الحوثية الهامة بصنعاء..
 
وشملت تلك المواقع: مطار صنعاء الدولي، الذي حوله الحرس الثوري- وفق التحالف- إلى قاعدة عسكرية؛ بالإضافة إلى معسكرات ومواقع في "دار الرئاسة" و"الحفا"، ومعسكرات مستحدثة في "ذهبان" و"الصيانة" وغيرها..
 
كما لم تقتصر تلك الغارات على العاصمة المحتلة (صنعاء)؛ بل استهدفت أيضا مواقع حوثية في محافظات أخرى مثل: ذمار وعمران وصعدة والبيضاء ومأرب..، وقال التحالف إنها استهدفت مخازن الطيران المسير والصواريخ الباليستية.
 

أقرأ أيضا:
[التحالف يعلن تدمير ورش للطائرات المسيرة ومخازن أسلحة للحوثيين في صنعاء]

 
اختلال معادلة الردع
 
وقبيل العمليات الأخيرة للتحالف، كان الحوثيون يزعمون أنهم أرسوا معادلة ردع عسكرية تقوم على قصف الرياض، بالصواريخ الباليستية والطائرة المسيّرة المفخخة، مقابل أي قصف يطال صنعاء- وذلك على غرار معادلة "بيروت مقابل تل أبيب"، التي أرساها حزب الله اللبناني (المصنف إرهابيا في عشرات الدول بالعالم) في حروبه السابقة ضد إسرائيل.
 
إلا أن الملاحظ مؤخرا، أن الحوثيين لم يفعّلوا هذه المعادلة؛ حيث توقفت هجماتهم الجوية ضد السعودية منذ بداية هذه الغارات الجوية الدقيقة للتحالف. الأمر الذي يعتقد أنه يعود إلى تعرض مخازن رئيسية هامة للصواريخ والطيران المسيّر الحوثي، لغارات جوية ناجحة من التحالف خلال الأيام الماضية.
 
وعلى إثر تلك العمليات الجوية الأخيرة للتحالف، التي طالت العاصمة صنعاء؛ انتقد قادة وناشطون حوثيون، بينهم الإعلامي "مجدي عقبة" المقرب من القيادي في الجماعة "محمد علي الحوثي"، في تغريدات لهم على تويتر، انكسار معادلة "الرياض مقابل صنعاء"..


 
ولم يظهر، هذه المرة، قادة حوثيين يتوعدون ويهددون بـ"رد قوي كما دأبوا على ذلك عقب كل قصف يطال العاصمة صنعاء. حتى الناطق الرسمي محمد عبد السلام، المتواجد في مسقط، التزم الصمت هو الآخر- وعلى غير العادة- طيلة ليالي القصف الأخيرة، الذي طال مواقع استراتيجية هامة بالعاصمة اليمنية، من قبل طيران التحالف، الذي أكد- مع بداية عملياته الجوية هذه- إن لديه بنك أهداف لمواقع ذات قيمة عالية.
 
وقال التحالف العربي في بياناته، خلال هذه الجولة من العمليات الجوية، التي تتم عادة قبيل الفجر؛ إن قادة الحوثيين ومطلقي الصواريخ والطيران المسير ضد السعودية سيكونون أهدافا مشروعة؛ في رسالة قوية واضحة لقادة الحوثيين، بأن عمليات الاستهداف الجوية الجديدة ستطالهم، مثلما حدث مع رئيسهم السابق "صالح الصماد"، الذي مزّقته إحدى غارات التحالف الدقيقة بالحديدة، في أبريل 2018، بعد وعيد منه باستهداف السعودية بالمزيد من الصواريخ الباليستية.
 

أقرأ أيضا:
[التحالف يعلن قصف معسكر دار الرئاسة بصنعاء بعد عملية استخباراتية عن نقل أسلحة]

 
ارتباك وعجز حوثي

ظهر الارتباك الحوثي واضحا منذ العملية الجوية التي شنها التحالف على ما قال إنها خلية من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في مطار صنعاء. إذ ظهر المتحدث الرسمي للحوثيين، يحيى سريع، في اليوم التالي، ليعلن عن عملية عسكرية واسعة ضد مطارات وقواعد عسكرية ومدنية ومنشآت أرامكو في جدة وجيزان ونجران، بعدد 14 طائرة مسيّرة..
 
حينها أكد التحالف- الذي كان أعلن في اليوم ذاته أنه شن 13 غارة جوية ضد أهداف عسكرية للحوثيين في أماكن متفرقة- أنه تصدى فقط لثلاث هجمات حوثية بطائرات مسيّرة. الأمر الذي يكشف كذب مزاعم الناطق الرسمي للحوثيين بشن 14 غارة جوية بطائرات مسيّرة ضد السعودية..!!  
 
كما أن المتحدث الرسمي للحوثيين، أكد أن عدد من تلك الطائرات المسيّرة استهدفت "مطار الملك عبد الله في جدة، وقاعدة الملك خالد الجوية بالرياض". وهي أهداف ومسميات نفى المتحدث باسم التحالف العربي، العقيد تركي المالكي، وجودها على أرض الواقع، مؤكدا أنه لا يوجد مطارا في جده باسم الملك عبد الله، كما لا توجد قاعدة جوية بالرياض، تحمل اسم الملك خالد..!!
 

 تحركات وتحولات برية

على صعيد العمليات البرية، واصل التحالف، بقيادة المملكة السعودية، سحب قواته من عدة قواعد عسكرية، بينها عدن (جنوبا) وحضرموت وشبوة (شرقا)، بالتزامن أيضا مع سحب القوات اليمنية المشتركة، المدعومة من الإمارات، من محافظة الحديدة (غربا)، لتعيد تمركزها في مديريتي الخوخة (الحديدة) والمخأ (تعز)، بدون أي تنسيق مع البعثة الدولية الأممية لمراقبة اتفاق السويد.
 
ورغم ذلك الانسحاب المفاجئ من محافظة الحديدة، الذي بدأ الحديث عنه في 10 من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني (الجاري)، إلا أن القوات المشتركة نفسها عادت وشنت، في 20 من الشهر، عملية عسكرية لتأمين مديرية حيس- جنوبي محافظة الحديدة- ووصلت إلى مديرية الجراحي شمالا. بينما فتحت جبهات جديدة لم تصلها الحرب من قبل، وحررت مناطق كانت مليشيا الحوثي تسيطر عليها منذ أكتوبر 2014، باتجاه جبل راس- جنوب شرقي الحديدة على التخوم القريبة من محافظتي تعز وإب.
 
وبينما لم تعلن القوات اليمنية المشتركة نيتها فتح جبهة جديدة في محافظتي إب وتعز، بشكل واضح حتى الآن؛ إلا أن مركز السياسات الإيطالية، وباحثين آخرين، رجحوا أن تكون الاستراتيجية الجديدة للتحالف تعتمد على فتح جبهات جديدة للضغط على الحوثيين في مناطق ذات ثقل سكاني.
 
وتشير هذه التحليلات إلى احتمال التوجه نحو محافظة إب، جنوب صنعاء، وتطويق مليشيا الحوثي من شمال محافظة تعز، والمحافظتان تعدان من أكبر المحافظات اليمنية من حيث عدد السكان. لكن من المبكر التعامل وفقا لهذه التحليلات في ظل الغموض الواضح الذي تبديه القوات المشتركة في أهدافها وخططها في محافظتي تعز وإب المتجاورتين، بل وحتى في المديريات الجنوبية من محافظة الحديدة.
 
ولمحاولة تدارك الموقف في محافظتي تعز وإب، بالإضافة إلى محافظة الحديدة، أرسلت مليشيا الحوثي قادة قبليين من الجماعة، ينحدرون من تلك المناطق، للحشد والدعم في مواجهة تقدم محتمل للقوات المشتركة.
 
حيث أعلن مؤخرا عن وصول المدعو عبد الرحمن الجماعي (نائب رئيس مجلس النواب التابع للحوثيين بصنعاء) إلى محافظة إب. كما ارسلت إلى تعز أثنين من قادة الجماعة من أبناء المحافظة، هما: الشيخ سلطان السامعي (الذي تربطه علاقات وثيقة مع إيران منذ عقود)، بالإضافة إلى المدعو سليم مغلس (الذي كان في السابق يتولى منصب محافظ الجماعة في تعز، قبل أن يتم إقالته وتعيينه وزيرا للخدمة المدنية الحوثية).
 
وسحبت المدعو "عياش قحيم" محافظها للحديدة، من جبهات مارب، ليعود على وجه السرعة إلى المديريات الجنوبية بمحافظته (الحديدة)، في محاولة منها للتصدي لعملية عسكرية محتملة هناك، أو في الحدود المحاذية مع محافظتي إب وتعز.


 

إيران تحشد للدعم

وسط كل هذا الارتباك والعجز الواضح لميليشيات الحوثي، التي أكتفى عدد من قاداتها بوصف ما يجري من تطورات عسكرية بأنه "تصعيد كبير" من الأمريكان والتحالف العربي، مع التأكيد على عدم رفضهم للسلام، جاءت ردة الفعل الأقوى من إيران، من خلال تنظيمها مؤتمرا دوليا، بمشاركة حلفائها ووكلائها في العالم، لحشد الدعم لحلفائهم الحوثيين في اليمن..
 
 وعقد المؤتمر في 22 من الشهر الجاري (نوفمبر/ تشرين الثاني) بالعاصمة الإيرانية تحت عنوان: "اليمن: محور التحول والثقة بالنفس في العالم الإسلامي"، بحضور قرابة 70 قياديا من الجماعات الشيعية التابعة لطهران في العالم العربي والإسلامي.
 
وفي هذا المؤتمر، الذي يعتبر هو الثاني المعلن عنه، أعلنت إيران فتح باب التبرعات في محافظاتها لدعم الحوثيين، الذين وصفهم محافظ طهران "علي رضا زاكاني" بأنهم "فخرٌ لإيران"، وتوعد بتصعيد جديد. (وللتذكير، فإن زاكاني هو المسؤول الإيراني الذي صرح في سبتمبر/ أيلول 2014، بأن صنعاء هي العاصمة العربية الرابعة التي تسقط بيد إيران).
 

أقرأ أيضا:
[الحكومة: مجاهرة إيران بدعم مليشيا الحوثي "عدوان وتدخل سافر"]
 

وكان التحالف أعلن، مع بداية عملياته الجوية الأخيرة، أنه تمكن من استهداف خلية إيرانية تابعة للحرس الثوري وحزب الله اللبناني، كانت تعمل مع الحوثيين بالعاصمة صنعاء. وللمرة الأولى، تقريبا، لم تعلق إيران على تلك الادعاءات. وبدلا من ذلك، قامت بمثل هذه الخطوة الجريئة، بتنظيم هذا المؤتمر بشكل معلن؛ وذلك- على ما يبدو- لإيصال عدة رسائل متزامنة لعدة جهات، على رأسها التحالف وأمريكا، بأنها لن تتخلى عن حلفائها الحوثيين في اليمن مهما كانت الضغوطات الدبلوماسية والعسكرية.  
 


وفي صنعاء، لم تجد ميليشيات الحوثي أمامها سوى اللجوء لاختطاف موظفين تابعين للأمم المتحدة، مع مواصلة اختطاف المزيد من اليمنيين العاملين مع السفارة الأمريكية في صنعاء، في محاولة يائسة للإمساك بأوراق ضغط جديدة، يمكن المساومة حولها لتخفيف الضغط العسكري عليهم من التحالف، وربما- كما يعتقد أيضا- لمساعدة إيران في التخفيف من الضغوطات الدبلوماسية والتجارية التي تتعرض لها فيما يتعلق بالمفاوضات الدولية الجارية حول ملفها النووي.
 

أقرأ أيضا:
[الحوثيون يختطفون ثلاثة من موظفي السفارة الأمريكية بصنعاء]

 
 
تطورات إقليمية منذرة بالتصعيد

وبالتوقف أكثر عند هذا الملف الإقليمي والدولي على حد سواء، المتمثل بالملف النووي الإيراني، يمكن ملاحظة أن استئناف التحالف لغاراته الجوية الأخيرة، الأكثر تركيزا على مواقع الحوثيين، خصوصا في صنعاء، جاء قبل عشرة أيام فقط من جولة جديدة من المفاوضات النووية بين إيران والقوى الكبرى، التي من المقرر لجولتها السابعة أن تنعقد في الـ 29 من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني (الجاري).
 
وهو الاتفاق الذي تعارضه السعودية، ودول خليجية وعربية أخرى في المنطقة. ومنذ مطلع العام الجاري أعلنت إيران أنها حققت تقدما فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20-60%، بعد ما قلصت تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عقب سلسلة من الهجمات التي استهدفت منشآتها النووية في "نطنز" و"كرج" وغيرها، الأمر الذي اعتبرته كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا بأنه "تجاوز غير مقبول".
 
ويربط مراقبون كثر، ما يحدث في اليمن، بأنه جزء لا يتجزأ من هذا الملف الإقليمي الشائك. حيث ظلت طهران تقدم الدعم العسكري للحوثيين طوال السنوات السبع من الحرب، لاستخدامهم في تهديد الأمن السعودي، إلى جانب تهديد الملاحة البحرية الدولية في البحر الأحمر.
 
وأعلنت أمريكا قبل أيام أنها لاحظت وجود تهديدات حقيقية تستهدف الملاحة البحرية في هذه المنطقة، وقالت إنها لن تتسامح معها، وستتعامل معها بقوة. كما هددت واشنطن بأن لديها خيارات أخرى في حال فشلت المفاوضات النووية المرتقبة مع إيران..
 

أقرأ أيضا:
[البحرية الأمريكية تجري تدريبات بالذخيرة الحية في خليج عدن]

 
 
تحولات جديدة.. ولكن..!!

وتعليقا على هذه التطورات الأخيرة، أشار "المركز الدولي للدراسات الإيطالية"، إلى أن التحالف العربي بدأ ينتهج استراتيجية جديدة، بعد فشل كل المفاوضات لوقف الصراع في اليمن، بما فيها المفاوضات السعودية - الإيرانية التي استمرت أشهرا خلال الفترة أبريل – سبتمبر، 2021.
 
وقالت صحف دولية، بينها مجلتي الايكونوميست البريطانية والمونيتور الأمريكية، إن التحالف يعيد تقييم استراتيجيته في اليمن، خصوصا بعد ضغط هائل قامت به المملكة السعودية على إدارة بايدن، تمثلت بالحصول على صفقة أسلحة صواريخ بقيمة نصف مليار دولار تقريبا، في أول صفقة من نوعها منذ سنة تقريبا.
 
وينظر كثيرون إلى التصعيد العسكري الجديد على أنه يأتي من بوابة تحسين شروط التفاوض وأدواته، ويستدلون ببدء انسحاب القوات العسكرية السعودية من عدة محافظات، بما فيها عدن التي تعد القاعدة الرئيسية للتحالف في اليمن، وكذا ما سمي بإعادة التموضع في الحديدة..
 
وبالمحصلة، فإن أبرز ملامح الأيام القادمة، وفقا لكل هذه المؤشرات، لن تخلو من المزيد من التصعيد، وإن كان لا يعرف بعد: إلى أي مدى يمكن أن يتطور ويستمر هذا التصعيد؟!
 
غير أنه يمكن المحاججة من خلال التأكيد على أن الملف اليمني، برغم كل هذه التطورات المتسارعة، ما يزال أكثر تعقيدا في الوقت الراهن، كما لا يمكن التنبؤ بمستقبله ببساطة في ظل استمرار توجهه نحو المزيد من التشابك والتداخل في ما بين المصالح الإقليمية والدولية.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر