مطالب الحكومة اليمنية بإلغاء "اتفاق ستوكهولم".. لماذا؟ وإلى أين؟ (تقرير خاص)

[ صورة تجمع الأمين العام للأمم المتحدة "غوتيرش"، ومبعوثه الخاص إلى اليمن "غريفيث" خلال مراسيم توقيع اتفاق استوكهولم بالسويد- 13 ديسمبر 2018 ]

 تزايدت مؤخرًا دعوات الحكومة الشرعية المطالبة بتجميد "اتفاقية ستوكهولم"، المُبرمة بين الحكومة اليمنية وميليشيات الحوثي، بعد 21 شهرا من توقيعها في مشاورات السويد تحت إشراف الأمم المتحدة.
 
وكان المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، قد تمكن من عقد مشاورات، غير مباشرة، في السويد بين ممثلي الحكومة اليمنية والحوثيين، أوآخر العام 2018، انتهت إلى توقيع اتفاق ستوكهولم بين الطرفين في 13 ديسمبر/ كانون أول 2018، والذي خصص- بدرجة أولى- لوقف القتال في مدينة الحديدة الساحلية المهمة.
 
وأجبر توقيع الإتفاق المذكور القوات الحكومية والمشتركة على إيقاف عملياتها العسكرية في محافظة الحديدة، غرب اليمن، والإنسحاب منها بعد أن كانت قد أقتربت من ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون. ومنذ ذلك الحين ظلت معظم بنود الاتفاق الجوهرية تراوح مكانها، وسط تبادل للاتهامات بالمسؤولية عن وضع العراقيل.
 



مطالب التجميد.. لماذا الأن؟
 
 وترى الحكومة أن اتفاق ستوكهولم، الخاص بمحافظة الحديدة- غرب اليمن: "أصبح غير مجد ولم يفض إلى شيء"، متهمةً الحوثيين باستغلال الاتفاق للتصعيد العسكري في عدة جبهات بالبلاد.
 

[للمزيد.. أقرأ: تصعيد الحوثيين نسف فرص السلام.. الحكومة: اتفاق ستوكهولم أصبح غير مجدٍ]

 
وأبلغ وزير الخارجية محمد الحضرمي، الأحد الفائت، المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، بأن "الحكومة لا يمكن أن تستمر في الالتزام بتعهداتها في اتفاق الحديدة إذا استمر الحوثيون في إفشال عمل البعثة الأممية، والتهرب من التزاماتهم تجاه الاتفاق، واستغلاله للتحشيد لحروبهم العبثية في مأرب والجوف".
 
وإذ أكد الحضرمي على أن استغلال الحوثيين لاتفاق الحديدة "بات أمرا مرفوضا ولن يستمر"، فقد شدد، في الوقت ذاته، على ضرورة أن يضطلع مجلس الأمن بمسؤولياته ويدين التصعيد والانتهاكات الحوثية المستمرة، لافتًا إلى أن محافظة مأرب تحتضن أكثر من ثلاثة ملايين مواطن جلهم من النازحين والمهجرين بسبب حروب الحوثي العبثية. في إشارة إلى المعارك الشرسة التي يخوضها الحوثيون على أطراف محافظة مأرب منذ أشهر.  
 
وجاءت تصريحات وزير الخارجية تلك على إثر تزايد المطالب بتعليق العمل بالاتفاق من قبل عدد من ممثلي السلطة التشريعية في البلاد، وسياسيين آخرين..
 
فقبلها بيومين، طالب 28 نائبًا في البرلمان اليمني، قيادة الشرعية بإلغاء اتفاق "ستوكهولم" والبدء بتحرير مدينة الحديدة وبقية المدن، والعمل على استكمال تحرير بقية المحافظات من مليشيات الحوثي.
 
وفي 8 سبتمبر الجاري، قال رئيس مجلس النواب سلطان البركاني، إن "الشرعية تواجه ضغوطاً كبيرة لتجميد اتفاق ستوكهولم ما دامت ميليشيا الحوثي تصر على خيار الحرب ورفض السلام".
 
وأرتفعت تلك المطالب، بشكل متزايد، مع تصعيد ميداني للحوثيين، خاصة في جبهات مأرب والجوف (شرقا)، والبيضاء (وسط)، والتي تشهد، منذ بضعة أشهر، معارك هي الأعنف منذ ثلاث سنوات تقريبا.
 



فشل وتداعيات سابقة

ولم يشهد الاتفاق طيلة 21 شهراً أي تقدم ملموس، سوى تثبيت خمس نقاط لمراقبة وقف إطلاق النار، تركزت في منطقة الخامري ومدينة الصالح، (شمال الحديدة)، وقوس النصر (جنوب شرق)، وفي منطقة المنظر (جنوب)، وسيي ماكس (شرقي الحديدة).
 
لكن ذلك التقدم لم يدم سوى أربعة أشهر ونصف (من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، إلى منتصف مارس/ آذار الماضي)، حتى أعلن الجانب الحكومي تعليق العمل في نقاط المراقبة، والإنسحاب من لجنة إعادة الانتشار، بعد إصابة أحد ضباطه، هو العقيد "محمد الصليحي"، الذي تعرض لطلق ناري من قبل الحوثيين، وتوفي على إثرها في 17 أبريل/ نيسان الماضي.
 
ومنذ ذلك الحين يكاد عمل البعثة الأممية لدعم اتفاق الحديدة يكون مجمدا، وتوقفت تحركات رئيس البعثة الجنرال الهندي ابهجيت جوها، الذي غادر الحديدة أوآخر مارس/ آذار الماضي ولم يعد حتى الأن.
 
وتأسست بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، في التاسع عشر من شهر يناير العام المنصرم، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2452.
 
وخلال الأشهر الأخيرة، قبل تعثر أعمالها وتوقفها عمليا، تزايدت الانتقادات الحكومية لعمل البعثة مع اتهامات لرئيسها بالتماهي مع الحوثيين، والمطالبة بنقل مقرها إلى مكان محايد وتأمين عملها.
 
وفي 31 أغسطس/ آب الماضي، أبلغت الحكومة الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش، أن البعثة في الحديدة، أصبحت غير قادرة على تنفيذ ولايتها، وأن استمرار عملها بهذه الطريقة يعد أمرا غير مجدِ.
 



أبعاد المطالبة الحكومية

ويرى المحلل السياسي اليمني في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية الدكتور "علي الذهب"، أن أبعاد الدعوات الحكومية لإلغاء اتفاق ستوكهولم، تتمحور في أن الاتفاق لم يحقق للشرعية أي مكسب، بعكس ما أعطى الحوثيين أكثر مما يستحقونه، ومكنهم من توظيف قدراتهم العسكرية باتجاه جبهات أخرى مثل مأرب والجوف.
 
وأضاف الذهب، لـ"يمن شباب نت"، أنه "في حال تمكن الحوثيون من مأرب، فسيوجهون قواتهم باتجاه الساحل الغربي وتعز ومناطق المخا، فالقوات الموجودة هناك الآن تتوجس من مثل هذا التحول المتوقع (...)، وهي تعيش حالة بيات شتوي وهذا يستهلك قدراتها المادية والمعنوية".
 
كما أن هناك دافعا آخر للحكومة، من وراء مطالبتها بإلغاء الاتفاق، وهو- بحسب قوله- أن "الشرعية قد تستخدم ذلك لمواجهة ضغوط تتعرض لها من قبل الأمم المتحدة في وضع حلول للأزمة، تتجاوز المرجعيات التي تحاول الشرعية الحفاظ عليها".
 
ليس ذلك فحسب، بل يقدم الذهب، احتمالا آخر، وهو أن الحكومة الشرعية وجدت أن اتفاقية ستوكهولم "بات وجودها عدمًا، وتحاول- قدر الإمكان، أو بالتدريج- الخروج، أو تجميد الاتفاقية".
 
وفي هذه الحالة، يعتقد أنه "لا يمكن للشرعية الخروج نهائيًا، لأنها لا تستطيع فعل ذلك، وعليها أن تعطي مُهلة تدريجية، ثلاثة أو أربعة أشهر، حتى يمكن لها الخروج من الاتفاق".
 
لذلك- يتابع: "في الوقت الراهن، لا يبدو أنه بإمكانها (الحكومة) أن تخرج من الاتفاق، ولكن ممكن تجميده، أو تضع شروطًا لها، يعني النظر فيه، أو شروطا بفترة مؤقتة للتنفيذ".
 
ومع ذلك، يستبعد أن تنجح الحكومة في "تجميد الاتفاق، إلا في حال امتلكت إرادة شجاعة"، كما يقول، لافتًا إلى أن الحكومة "لا تزال تواجه مشكلات وتحديات داخلية، وإنكسارات في صفوفها.. فهي لا تحارب الحوثي فقط، بل أيضًا تحارب خصما داخليا يدعم أجندات خارجية، وهو المجلس الانتقالي الجنوبي".
 

أخطاء يتحملها التحالف

بدوره، يقول المحلل السياسي والأكاديمي اليمني نبيل الشرجبي إنه "في مختلف أنواع الصراعات عندما تصل أطراف الصراع الي قناعات، أو تحصل على ضوء أخضر لاستئناف الصراع، لابد أن ترتكز على مبررات، وموضوع اتفاق ستوكهولم لا يخرج عن ذلك".
 
ويعتقد الشرجبي، ضمن حديثه لـ"يمن شباب نت"، أن رئيس البعثة الأممية "لم يكن موظفا دوليا محايدا، حيث كانت له أخطاء وزلات أثرت بشكل كبير على الحكومة الشرعية".
 
وحول أسباب فشل تنفيذ الاتفاق، يحمل الشرجبي التحالف العربي كـ"سبب أساسي" في ذلك "نتيجة إدارته لملف الحرب في جبهة الساحل، والتي أراد من خلالها ايجاد معادلة جديدة تقضي بعدم إضعاف طرف لصالح طرف آخر، مع ابقاء التحالف، أو الامارات تحديدا، ممسكه بكل تفاصيل المشهد".
 
وأضاف: "التحالف لم يقم بما يجب عليه القيام به تجاه تصرفات البعثة الأممية، (...)، بل قام بتمييع تلك المسألة لصالح حسابات خاصة به".
 
وبشأن التوجه الحكومي الأخير، وأين ستصب نتائجه، قال: إنه في حال أعلنت الحكومة الغاء اتفاق ستوكهولم، فإن الأهم والأخطر، والذي لم تنتبه له الشرعية ولا مراكز اتخاذ القرار في كل الجهات اليمنية، هو مخرجات وأهداف المعركة العسكرية التي سيتم اخراجها وفقًا لخدمة أهداف التطبيع الخليجي الإسرائيلي" حد تعبيره، محذرا من أن تلك الخطوة "ستكون مدمرة لمستقبل الدولة اليمنية، ولابد أن يخضع هذا الامر لأقصى درجات الاهتمام والدراسة قبل أن يحدث ذلك".
 



طريق مسدود

اتفاق الحديدة ليس وحده الذي لا يزال متعثرًا، فهناك أيضًا تفاهمات أخرى، تضمنتها اتفاقية ستوكهولم، ولا تزال هي الأخرى تراوح مكانها دون أن تجد طريقا للتنفيذ.
 
فهناك– أيضًا- تفاهمات أولية حول ملف "حصار تعز"، واتفاقية بشأن ملف "تبادل الأسرى والمعتقلين"، لدى الجانبين، والذين يزيد عددهم عن 15 ألفا، كما ذُكر في بداية النقاشات. ولا يزال الملفان متعثران، وسط تبادل الطرفين الاتهامات بالعرقلة.
 
وفي حين ما يزال القتال في محافظة تعز، "مجمدا، بناءً على حسابات الأطراف المختلفة في الشرعية والحوثيين"، وليس بموجب تفاهمات استوكهولم، فأن عمليات تبادل الأسرى، التي نسمع بها من حين إلى آخر، "خضعت لوساطات قبلية أو اجتماعية، خارج إطار اتفاق السويد، واللجنة المُشكلة لذلك". كما يوضح المحلل الأستراتيجي علي الذهب.
 
الأمر الذي يجعله يؤكد أن "تفاهمات ستوكهولم، وصلت إلى طريق مسدود" بالفعل. 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر