قرار استئناف الدراسة لطلاب الثانوية فقط وتأثيراته على العملية التعليمية (تقرير خاص)

[ قرار وزارة التربية بقصر استئناف الدراسة على طلاب المرحلة الثانوية لهذا العام ،دون بقية المراحل الدراسية الأخرى يزيد من الإضرار بالعملية التعليمية المتدهورة أصلا بسبب ست سنوات من الحرب ]

  في 6 سبتمبر/ أيلول الجاري، توجهت "سعاد"- الطالبة في الصف الثاني الثانوي- وأخيها "سعد"- الطالب في الصف الأول الثانوي- مع شقيقتهم الصغرى "رشا"- في الصف الثاني الإبتدائي- إلى مدرستهم الخاصة بمدينة تعز، بعد نصف عام من التوقف عن الدراسة بسبب جائحة فيروس "كورونا".
 
كان الأخوة الثلاثة سعداء بهذه العودة، بعد كل هذه الفترة الطويلة من الإنقطاع الذي أصابهم بالملل. وفي اليوم التالي فقط، ذرفت الطفلة "رشا" دموعا غزيرة لإرجاعها من بوابة المدرسة، حيث لم يسمح لها بالدخول، إلا بعد مرور شهر كامل على دراسة شقيقيها المحظوظين..!!
 
 كانت وزارة التربية والتعليم، في الحكومة الشرعية، أصدرت أوآخر أغسطس/ آب الماضي، قرارا غريبا يقصر استئناف الدراسة على طلاب المرحلة الثانوية فقط، دون طلاب المرحلة الأساسية (من الصف الأول حتى التاسع الإبتدائي)، الذين تم ارجاء دراستهم إلى مطلع الشهر القادم..!!
 
وأثار قرار استثناء طلاب المرحلة الأساسية- الذين يمثلون الشريحة الأكبر من الطلاب- عددا من التساؤلات والاحتجاجات، خصوصا وأن الوزارة أرجعت سبب ذلك إلى الإجراءات الإحترازية من إنتشار فيروس "كورونا".
 
 يأتي ذلك، في الوقت الذي شهد فيه اليمن إنحسارا واضحا لجائحة "كورونا"، خلال الشهرين الأخيرين، لينخفض فيه الإلتزام بكافة الإجراءات الاحترازية إلى مستويات تكاد تكون "صفرية"، تقريبا، حيث استأنف الناس حياتهم بشكل طبيعي، وشهدت الأسواق والتجمعات ومختلف الأنشطة الجماهيرية الأخرى عودة إلى طبيعتها السابقة، وربما بشكل أقوى.
 



بين عامين دراسيين
 
في العام الدراسي الماضي (2019 – 2020)، توقفت العملية التعليمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بسبب جائحة كورونا، في شهر مارس/آذار 2020. وفي الشهر التالي، أبريل/ نيسان، أعلن عن تسجيل أولى الإصابات المؤكدة بالفيروس في اليمن. وخلال الستة الأشهر التالية، وصلت عدد الإصابات المؤكدة بالفيروس إلى ألفين حالة، ربعها- تقريبا- كانت حالات مميتة.  
 
وعلى الرغم من أن الطلاب ظلوا خارج مدارسهم لستة أشهر، إلا أن معظمهم أيضا ظلوا خارج منازلهم؛ تعج بهم مختلف الأحياء والشوارع. ليظل الأمر على ذلك الحال، إلى أن قررت وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة الشرعية، استئناف العام الدراسي الجديد، بدأ من مطلع الشهر الجاري، لطلاب المرحلة الثانوية فقط، وتأجيل المرحلة الأساسية إلى أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ما أصاب طلاب هذه المرحلة بالخيبة، والرجاء بإمكانية تغيير القرار الظالم، وإعادتهم بشكل أسرع إلى مقاعدهم الدراسية.. 
 
بررت الوزارة تلك الخطوة بأنها جاءت بناء على قرار لجنة الطوارئ العليا في اجتماعها الأخير بشأن بدء العام الدراسي الجديد 2020- 2021م ومتطلباته، على ضوء ما تم رفعه من الوزارة في ظل جائحة كورونا، واعتبرته فرصة لإيجاد الحلول والمعالجات للمشكلات التي تواجه الطلاب والمعلمين.
 
وهو ما أثار التبرم والاحتجاج، من ما يعتقده البعض "إستهتارا" بمستقبل الشريحة الأكبر من الطلاب. لا سيما وأن تلك الإحترازات الوقائية، غير المعمول بها أساسا على أرض الواقع، كانت قد اقتطعت من العام الدراسي السابق شهرا كاملا، دون أن يتم تعويضهم عنه..!!
 
الأمر الذي- في نظر المتذمرين- كان يستدعي التعجيل بعودتهم إلى الدراسة لتعويضهم عن ذلك النقص، وليس مواصلة اقتطاع شهرا إضافيا أخر من العام الجديد..!!
 
ويطالب بعض الأهالي بتعويض أبنائهم عن أي فترة يتم إيقاف الدراسة فيها، لكن وكيلة إحدى المدارس بتعز- والتي فضلت عدم الكشف عن اسمها- أفادت أنه لا يوجد حتى الآن أي شيء واضح بشأن ذلك..!!


وضع هزلي
 


 عمليا، حدثت إرتباكات وتجاوزات كثيرة في تطبيق القرار الوزاري. ربما لعدم الاقتناع بمسوغاته من الناحية العملية؛ أو لصدوره بتلك الطريقة المغايرة عن كل عام، مع استعدادات المدارس، وتوثب الطلاب للعودة إلى كراسيهم التي افتقدوها لأكثر من نصف عام.
 
فقد لوحظ عدم تطبيقه من قبل عدد من المدارس الحكومية، التي قامت بتدريس كافة الطلاب بمختلف المراحل الدراسية خلال الأسبوع الأول من العام الدراسي الجديد، قبل أن تتوقف بعضها لاحقا، نتيجة فرض مكاتب التربية عليها ذلك بالقوة والتهديد؛ في حين واصلت البعض الأخر منها التدريس، لكن من الصف السابع وما فوق..!!
 
الحال نفسه، لوحظ أيضا في المدارس الأهلية (الخاصة)؛ فهي الأخرى بدأت معظمها بتدريس طلابها بمختلف مراحلهم الدراسية، ليتراجع عدد منها عن ذلك بعد أيام. وربما أنها تأثرت بعدم التعامل بجدية مع القرار من قِبل القطاع الحكومي..!!
 
كما ساعد على حدوث الإرتباك، وجود تباينات بين مكاتب التربية في بعض المديريات، مع مكاتب التربية في المحافظة، كما حدث في تعز، التي رأى فيها عدد من مدراء التربية في المديريات التعامل مع قرار الوزارة بصورة غير مركزية، من خلال تقديرهم لوجود مخاطر لفيروس "كورونا" من عدمه، وتوخيا لمصلحة الطلاب.   
 
ولمواجهة ذلك، اضطر مكتب التربية والتعليم بتعز إلى إصدار بيان مطلع الأسبوع الماضي، يشدد على ضرورة الإلتزام بقرار الوزارة، وطالب المدارس بالتقيد بالتوجيهات، محذرا إياها من تحمل كامل المسؤولية في حالة مواصلة مخالفة ذلك.
 
 
قرار غير مسئول
 


وبسبب الجدل، الذي دار على خلفية قرار وزارة التربية والتعليم، تواصل "يمن شباب نت" مع أحد موظفي الوزارة لمعرفة المسوغات الحقيقية من إتخاذ الوزارة هكذا قرار مثير للجدل، فقال إنه بحسب ما جاء في نص القرار ومسوغاته، فإن الهدف من ذلك يعود إلى الإجراءات الاحترازية من إمكانية تفشي فيروس كورونا، مستدركا: إلا أن ذلك في حقيقة الأمر لا يمثل حلا عمليا، خاصة أن الدراسة لتلك الفصول سيتم استئنافها في مطلع الشهر المقبل، أكتوبر/تشرين الأول، وهذا لا يعني أن فيروس كورونا سيكون قد انتهى، إذ لا يوجد أي مؤشر على ذلك..!!
 
وعليه، فقد أعتبر الموظف- الذي فضل عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله الحديث في هذا الشأن- أن القرار من وجهة نظره "غير مسئول"، موضحا أن "أغلب المدارس تعاني من اكتظاظ الطلاب في الفصول الدراسية، وعليه؛ فمن الصعب اتخاذ أي إجراءات احترازية كافية، مهما كانت خطط التعليم على فترات، أو غيره".
 
وعن الحل الأنسب لمواجهة هذه المشكلة، قال إن الأفضل في هذه الحالة هو الإلتزام "بالتوعية من قِبل أولياء الأمور لأبنائهم، خاصة الأطفال منهم، ليحافظوا على نظافتهم الشخصية قدر المستطاع وبشكل دائم، ليس فقط خوفا من الإصابة بعدوى كورونا، بل لحمايتهم من أي أمراض أخرى".
 
 
أهالي الطلاب.. مخاوف وشكاوى
 


واستطلع "يمن شباب نت" أراء بعض أهالي الطلاب بشأن القرار الوزاري، فوجد أن معظمهم غير مقتنعين به، وبحيثياته، خصوصا وأنهم يشكون أصلا من الإزدحامات الشديدة في الفصول الدراسية للمدارس الحكومية، حيث يتجاوز أعداد الطلاب في بعضها الـ80 طالبا، الأمر الذي يجعلهم يتسائلون عن جدوى تأجيل الدراسة لشهر واحد، طالما وأنهم سيعودون إليها بعد هذا الشهر في نفس الظروف الحالية..!!
 
"فما الذي سيتغير خلال هذا الشهر؟!"، يتسائل بعض الأباء، لاسيما مع عدم وجود إجراءات احترازية حقيقية، وعدم ارتداء الأغلبية للأقنعة الطبية (الكمامات). أضف إلى ذلك، أنه في حال أفترضوا أن "كورونا" ما زال يشكل خطرا كبيرا، فإن تعرض أحد أبنائهم، الذين يدرسون حاليا في المرحلة الثانوية، للإصابة بالفيروس لا قدّر الله، فسينقلون العدوى إلى إخوانهم الأخرين في المرحلة الأساسية في المنازل..!!
 
وبخصوص المخاطر المحدقة بأبنائهم الطلاب، عموما، أعرب عدد من الأباء، لا سيما في تعز، عن مخاوفهم من إنتقال الأمراض إليهم نتيجة انتشار البعوض، ما يجعل أبناءهم عرضة للإصابة بالأمراض الأخرى التي تنقلها تلك الحشرة، من بينها حمى الضنك، والملاريا، والمكرفس المنتشر حاليا بكثرة في تعز.
 
ويتحدث "شفيق محمد علي" عن الجانب النفسي، وتأثير توقف الدراسة لفترة طويلة على أبنائه، الذين- وبسبب ذلك- فقدوا الجدية في التعامل مع الدراسة، بحيث أنهم لم يعودوا يشعرون برغبة في العودة إلى المدرسة، بل أصبحوا يفضلون مواصلة اللعب على التعليم..!!
 
وأشار، في حديثه لـ"يمن شباب نت" إلى الصعوبة التي بات يعاني منها، هو وزوجته، في متابعة ابنهم في الصف الأول، بسبب نسيانه الحروف والأعداد التي كان قد تعلمها وحفظها العام الفائت، وقد مر عليها أكثر من نصف عام..!!
 
أما "منى المخلافي"، فتشكو لـ"يمن شباب نت"، هي الأخرى، من معاناتها التي استمرت طيلة الأشهر الستة الماضية، في ظل بقاء أبنائها الثلاثة في المنزل كل هذا الوقت، دون دراسة، وتسببهم لها بالكثير من الفوضى التي اصبحوا يثيرونها في المنزل وخارجه..!!
 

تضرر سلوكي.. وحزن طفولي
 


ويشكوا الكثير من الأباء من بقاء أبنائهم بعيدا عن المدرسة كل هذا الوقت، ما جعل معظمهم يفقدون السيطرة على أبنائهم، الذين باتوا يقضون معظم أوقاتهم: إما خارج المنزل يلعبون في الشوارع، أو في المنزل أمام التلفاز، ما تسبب في اكتسابهم سلوكيات خطيرة وعنيفة، وخلق لديهم المزيد من الوفوضوية وعدم الإنضباط..!!
 
وفي المقابل، أيضا، يشعر الكثير من الأطفال- خاصة ممن هم في رياض الأطفال في المدارس الخاصة- بالحزن الشديد والكئآبة لعدم استئناف الدراسة، خصوصا وأنهم كانوا يجدون في مدارسهم أفقا واسعا للنشاط وفرصة للالتقاء بأصدقائهم واللعب معهم، بدلا من البقاء كامل الوقت، يوميا، خلف جدران المنزل.
 
وفي مدينة تعز، بشكل خاص، التي تعاني من مشكلة إفتقارها للحدائق العامة والأماكن الترفيهية المخصصة لصغار السن، فإن المدرسة تغدو جنتهم المفضلة لوجود الألعاب المختلفة بها، وممارسة مختلف الأنشطة التي يحبونها وتجعلهم يطلقون مواهبهم المتنوعة.
 
وعلى هذا النحو، ومن زاوية أخرى لهذه المشكلة، فقد شكل قرار استئناف الدراسة للكبار فقط (أي طلاب الثانوية العامة) أحد المآسي الكبيرة لبعض الأسر، التي لديها أيضا أطفالا صغارا لم يحن موعد دراستهم بعد، ما يجعلهم يعبرون عن غضبهم بالبكاء غالبا وهم يشاهدون إخوانهم الكبار يتوجهون كل صباح إلى مدارسهم، فيما هم قابعون في المنزل..!!  
 
وفي المدارس الأهلية، بشكل خاص، هناك مشكلة أخرى يشكوا منها بعض الآباء الذين يتوجب عليهم دفع رسوم دراسة أبنائهم عن العام الدراسي كاملا، حتى ولو لم يدرس أبناءهم كل أشهر هذا العام، كما هو الحال هذا العام بسبب تأجيل تعليم المرحلة الأساسية لمدة شهر. والأمر نفسه حدث معهم العام الماضي، حين توقفت الدراسة قبل شهر من نهايتها، ومع ذلك رفضت معظم المدارس تسليم شهادات أبنائهم مالم يستوفوا ما عليهم من قسط أخير..!!
 

قلق من المستقبل
 


مضت حتى الآن عدة أعوام دراسية في ظل الحرب في اليمن، وخصوصا في محافظة تعز- وشبيهاتها- التي ما تزال تشهد معاركا من حين لآخر، ما أدى إلى تراجع العملية التعليمية بشكل كبير، نتيجة توقف الدراسة لفترات طويلة، خاصة في بداية الأعوام الأولى من الحرب، حيث كانت الوزارة تضطر إلى تدريس الطلاب أشهرا قليلة فقط، واعتماد نتيجة تعليم شهر أو شهرين لتعميمها على بقية الفصل الدراسي بالكامل، دون تحصيل كلي للمنهج، وغيرها من الحلول..
 
ربما كان ذلك حلا لتجنب إيقاف التعليم بشكل تام، لكن مخرجاته أصبحت غاية في السوء؛ نظرا لعدم دراسة الطلاب كامل المنهج، وهكذا عاما بعد آخر..!
 
دفع ذلك بالكثير من الأهالي إلى الشعور بخيبة الأمل والخوف على مستقبل أبنائهم، ومنهم محمد أحمد غالب الذي أكد أن جماعة الحوثي لا يهمها في الأساس التعليم، إلا بما يتناسب مع أهدافها فقط، وغالبا كفرصة لغسل أدمغة الأطفال والمراهقين..!!
 
لذلك، يستغرب غالب، كما يقول لـ"اليمن شباب نت" من قرار وزارة التربية والتعليم التابعة للشرعية في هذا الجانب، كونه- حسب رأيه: "غير مقنع". وتتزايد مخاوفه من استمرار تدهور العملية التعليمية خاصة أن الحرب لا أحد يعلم متى ستتوقف.
 
وتشير الإحصائيات الصادرة عن منظمة اليونيسيف، إلى وجود 3.7 مليون طفل حرموا من التعليم بسبب الحرب، من إجمال 7.3 مليون طفل في سن الدراسة، وهو مؤشر خطير يهدد مستقبل البلاد.
 
ومع انتشار كورونا في دول العالم، توقفت الدراسة في المدارس، لكن العملية التعليمية كانت تتم عبر الإنترنت بسبب الحجر الصحي الذي كان إجباريا، وحين عاد بعضها حرصت على التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات، وتلك آلية وإجراءات حلولية مناسبة في مثل هذه الظروف الاستثنائية، إلا أنها غير قابلة التطبيق بالنسبة لدولة مثل اليمن، حيث تنعدم فيها الإمكانيات، بل ويعجز غالبية أبنائها عن توفير قوتهم الضروري.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر