باحثة بريطانية متخصصة تغوص في عمق "اليمن الفوضوي: انهيار الدولة الفاشلة والتدخلات الاقليمية" (ترجمة خاصة)

[ هذه الصورة التي أختارها مركز الجزيرة للدراسات لتصدير المقال ]

 "ينشأ انهيار اليمن من مزيج من التنافسات الداخلية بين النخب، واحتياجات متزايدة لسكان فقراء، اضافة الى التدخلات الدولية، سواءً من جانب الممولين الدوليين الليبراليين الجدد، أم من اللاعبين الفاعلين ممن لديهم دوافع سياسية في دعم أو معارضة الفصائل والاطياف الداخلية المتنافسة".
 
بهذا الملخص الموجز، صَدَّرَ مركز الجزيرة للدراسات، أحدث مقالات الكاتبة "هيلين لاكنر" المنشور على صفحة المركز في موقع"الجزيرة نت" باللغة الإنجليزية، تحت عنوان "اليمن الفوضوي: انهيار الدولة الفاشلة والتدخلات الإقليمية".

 
 تكمن أهمية هذا المقال، ليس فقط لكونه يفصل بعمق الأزمة اليمنية الراهنة وفقا لسياقاتها التاريخية منذ قيام الوحدة اليمنية بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي، بل أيضا لكون كاتبته- وهي باحث مشارك في معهد لندن للشرق الأوسط في جامعة (SOAS) بلندن- لديها تجربة وخبرة طويلة عن اليمن، حيث عاشت فيه قرابة 15 عام، خمس منها في الجنوب في سبعينيات القرن الماضي. ما مكنها من كتابة عدد من المؤلفات والدراسات البحثية حول اليمن، آخرها وأهمها كتابها الذي يحمل عنوان "اليمن في أزمة: الاستبداد، والليبرالية الجديدة، وتفكيك الدولة"، 2017.
 

وانطلاقا من هذه الأهمية، قام "يمن شباب نت" بترجمة المقال المذكور ونشره خدمة لقرائه:
 
لايزال اليمن في قبضة أزمته الاشد قسوة على الاطلاق: حيث أن الحرب الاهلية بين القوات الموالية لحكومة الرئيس هادي المعترف بها دولياً والتحالف الذي تقوده السعودية من جهة، والتحالف الذي يضم حركة التمرد الحوثية والرئيس السابق صالح من جهة أخرى، قد دمرت البلاد.
 
والفوضى هو مصطلح مناسب لتوصيف الوضع الحالي في منطقة مضطربة في هذا العالم (الشرق الاوسط).
 
وسط غياب اية آمال حالية بدولة مستقرة وديمقراطية، يغمرها السلام، والتي طالب بها مئات الآلاف من المتظاهرين خلال انتفاضة عام 2011، فما الخطأ الذي حدث؟ ولماذا ليس هناك أي أمل حتى بخطة توسط دولية للمساعدة في انهاء العنف والقتال، فضلاً عن احلال السلام؟
 
لقد كانت الصراعات ناجمة عن تركيبة من التنافسات الداخلية بين النخب، والمطالبات المتزايدة لسكان أشد فقرا بشكل متزايد، والتدخلات الدولية من قبل مجلس التعاون الخليجي ودول غربية اضافة الى الممولين من الليبراليين الجدد [1].
 
في 12 من يوليو/ تموز 2017، أخبر مبعوث الأمم المتحدة الخاص، مجلس الامن بأن "الوضع في اليمن لايزال حرج للغاية. وأن وطأة الصراع تتزايد يوماً بعد آخر... والوضع الانساني أصبح مزرياً ومروعاً، وبأن البلاد لا تعاني من حالة طارئة واحدة فحسب، بل من عدد من الحالات الطارئة المعقدة، التي أثرت بدورها على أكثر من 20 مليون شخص، والتي سيتم الشعور بأثرها وحجمها لمدة طويلة بعد انتهاء الحرب" [2].
 
كما اعلنت الامم المتحدة أن تفشي الكوليرا في اليمن يعد الاسوأ على الاطلاق في العالم. وحاليا هناك ما يقارب 300 ألف حالة مشتبه بها، وتوفى حوالي 1700 نتيجة لهذا الوباء. ويعاني 14 مليون يمني من انعدام الامن الغذائي، من ضمنهم 7 ملايين على حافة المجاعة.
 
إن هذه الدراسة تغوص بعمق في استكشاف الاسباب الرئيسية وراء تفكك الدولة اليمنية التي تأسست في 1990. حيث ووجهت المبشرات المبكرة بسلسلة متوالية من المشاكل التي تُوجت بانتفاضة عام 2011، والفترة الانتقالية الفاشلة بين عامي 2011-2014 [3]، واستيلاء الحوثيين على صنعاء، وتحالفهم مع صالح، وتدخل التحالف الذي تقوده السعودية.
 
كما تبحث الدراسة في الاسباب الجوهرية للأحداث، التي أدت إلى انهيار الدولة اليمنية، اضافة الى الأسباب التي جعلت التدخل العسكري الدولي، الذي بدأ عام 2015، يضمن استمرار الحرب لفترة اطول، وتداعياتها الكارثية على السكان.
 
جذور الجمهورية الجديدة
 
تأسست الجمهورية اليمنية عام 1990 كنتيجة لاندماج الجمهورية العربية اليمنية مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، حيث كانت الاولى نتاج للإطاحة بالإمامة عام 1962 من قبل مجموعة من الضباط الجمهوريين، أما الاخرى فظهرت من عدن التي كان يديرها البريطانيون وحكومات الوصاية.
 
وقد كان لكلا الدولتين توجهات سياسية مختلفة في ظل تبني الجمهورية العربية اليمنية للرأسمالية، فيما كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، هي الدولة الاشتراكية الوحيدة في العالم العربي. وبالرغم من تلك التباينات فقد تشاركت الدولتان خصائص مشتركة وجعلت من اليمن أمة واحدة وثقافة مشتركة وتركيبة اجتماعية أساسية متشابهة على الرغم من جهود كلا النظامين لنقل المجتمع في اتجاهات شتى، كما كونت قاعدة اقتصادية مشتركة للزراعة والثروة السمكية وسط آمال باكتشاف النفط. واعتمدت كلا من الأسر والدولتان بالطبع بشكل كبير جداً، على الحوالات النقدية للعمال المغتربين في أي مكان من شبه الجزيرة العربية وغيرها.
 
وقد كانت الوحدة الشعار السياسي الأكثر شعبية على جانبي الحدود وتقبلها السكان بحفاوة في مختلف انحاء البلاد. غير أنها تمت بعجالة أكثر من كونها نتاجاً لعملية ديمقراطية: حيث أن صالح، الذي كان رئيساً للجمهورية العربية اليمنية [2012-1978] اقنع آنذاك الزعيم الجنوبي (علي سالم) البيض بالموافقة على الاندماج الشامل، بعد ساعات قليلة فقط على تأكيد (ج.ي.د.ش) تحت حكم الحزب الاشتراكي اليمني، التزامها باتفاق فيدرالي، تاركين حكماً ذاتيا الى حد كبير تتمتع به كلا الدولتين سابقاً.
 
وقد شكل هذا الانتقال السريع البذرة الاساسية للتوتر وقاد إلى حرب أهلية قصيرة في 1994، والتي انتصر فيها صالح بدعم عسكري من الفصائل، التي كانت قد هزمت في الصراع الداخلي في الجنوب عام 1986، بما فيها الرئيس "الشرعي" الحالي هادي اضافة الى السلفيين العائدين من افغانستان.


 
الازمة المتصاعدة وانتفاضة 2011
 
اتسم العقدين الاولَين للجمهورية اليمنية بسلسلة من الأزمات الاقتصادية. حيث تم ترحيل أكثر من 800 ألف يمني من دول مجلس التعاون الخليجي بعدما صوت اليمن ضد قرار مجلس الامن رقم 678 الذي كان يقضي بتنفيذ عمل عسكري ضد العراق إبان غزوها للكويت. وأدى هذا إلى تقليص المساعدات الاقتصادية الاجنبية لليمن الى الصفر تقريباً، كما انه اضاف في الوقت ذاته ما يقارب مليون باحث عن عمل في زمن (معدلات) البطالة العالية.
 
وبالرغم من أن الأزمة انحسرت بحلول عام 1995 وتم استئناف المساعدات، إلا أنه من الجدير بالتذكر أن التحويلات المالية من قبل العمال في الخارج، معظمهم في دول الخليج، ظلت بالغة الأهمية بالنسبة للاقتصاد اليمني بشكل أكبر من المساعدات.
 
ومن ناحية أخرى كانت التحويلات المالية تصل مباشرة لعوائل ريفية في الغالب فيما ذهبت المساعدات باتجاه مؤسسات الدولة في السنين المبكرة.
 
هذا التحول تغير في أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما أضعفت المؤسسات المالية الدولية الدولة عملياً وذلك عبر تمويلها منظمات مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الاشغال العامة، والتي كانت تعمل وفقاً لمبادئ "الكفاءة" في القطاع الخاص. على الرغم أنها في حقيقة الامر كيانات شبه حكومية (موازية للدولة) وتسمح لها رواتبها بجذب أفضل العاملين من الوزارات المعنية وبالتالي تقليص كفاءتها وقدرتها التقنية.
 
كما أن عوامل أخرى كالتغير المناخي، والنمو السكاني المتسارع وفساد "النخبة"، ساهمت في زيادة الفقر وتوسيع الفجوة بين غالبية السكان وبين مجموعة صغيرة من المنتفعين من نظام صالح. وبشكل سلبي فقد اصطدمت امكانية الكسب داخل اليمن وخارجه بقيود على الهجرة وشح في سياسات خلق فرص العمل في الداخل.
 
أما التوترات السياسية فقد كانت تنمو من خلال ثلاث حلقات:

1- الاحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان والتي اعادت التشكل ضمن احزاب اللقاء المشترك في عام 2003، وتشكلت من الاصلاح (الحزب الاكبر الذي يتكون من جماعتين رئيسيتين وهما قبائل حاشد الشمالية ومؤيدي أيدلوجية الاخوان المسلمين في ارجاء البلاد)، والحزب الاشتراكي والبعثيين والناصريين والقوى الشعبية والحق (الحزبين الاخيرين هما أحزاب صعدة). 

2- بروز الحركة الحوثية التي دخلت في معارضة مسلحة مع نظام صالح في عام 2004 ضمن سلسلة من ستة حروب حتى العام 2010. 

3- صعود الحراك الجنوبي الانفصالي منذ عام 2007 فما فوق: بوسائل سلمية في البداية، وساهم رد الفعل العنيف للنظام في نمو وتزايد تأثير تلك الحركة. 
 
وإلى جانب تظافر الازمات الاقتصادية والاجتماعية، كان العامل الوحيد المفقود يتمثل بالدافع لبدء انتفاضة كبرى. وجاءت نقطة التحول في شكل الاطاحة الناجحة على ما بدى آنذاك للأنظمة الحاكمة في تونس ومصر، مما شجع اليمنيين في مختلف انحاء البلاد للاعتقاد بأن ذلك التغيير الجوهري كان ممكناً. وعلى وقع شعار "يرحل صالح" ضمت الحركة الاحتجاجية الألاف من الشبان والنساء المستقلين، اضافة الى اعضاء الاحزاب المعارضة، الذين التحقت بهم قيادتهم لاحقاً.
 
ومع الإنشقاقات في القوات العسكرية والامنية في مارس 2011، اقتربت البلاد من حرب واسعة النطاق بين الجيوش والفصائل المتخاصمة، في حين أن الحركة الاحتجاجية المدنية المناهضة لصالح واصلت مثابرتها، غير أنها تأثرت بالأحزاب بشكل كبير، وخصوصاً الاصلاح والحركة الحوثية.
وقد أدت تلك التطورات لفتح الباب أمام تدخل "المجتمع الدولي" في مساعيه المزعومة بإيجاد حل سلمي للأزمة.
 
المبادرة الخليجية والنظام الانتقالي

أدت أحداث عديدة خلال عام 2011 إلى إضعاف نظام صالح تدريجياً، كما أدت، بحلول نهاية العام، الى المبادرة الخليجية، والتي شملت استقالة صالح واستبداله بنائبه سابقاً عبد ربه منصور هادي، لقيادة النظام الانتقالي.
 
 ووفقاً للمبادرة الخليجية سيحصل النظام الانتقالي الذي سيدوم عامين، على الدعم السياسي والاقتصادي للمجتمع الدولي. كما تضمنت تشكيل حكومة وحدة وطنية جمعت بين قوات صالح ومن في المعارضة، واعادة هيكلة القطاع الامني والعسكري، ومؤتمر الحوار الوطني، الذي كان سيهندس بنية اليمن ما بعد الفترة الانتقالية؛ كما كان سيتلوه لجنة مسودة الدستور، واستفتاء عليها، ومن ثم اجراء الانتخابات.
 
وجرى تنفيذ معظم تلك الخطوات رسمياً بين عامي 2012 و2014. غير أنها فشلت في انجاز الهدف المنشود، وذلك يرجع بدرجة كبيرة لأخطاء تخطيطية متأصلة، كالسماح لصالح ليس فقط بالبقاء في البلاد، ولكن أيضا بمواصلة قيادة حزب المؤتمر، وتخصيص نصف مناصب الحكومة لحزبه.
 
وبينما عكست هذه التسوية التوازن الفعلي للقوة عام 2011، فقد أدت إلى تقويض جهود حكومة الوحدة الوطنية وسط تنافس وزراء الطرفين الرئيسين (المؤتمر والإصلاح)، على السلطة وتقويضهم بعضهم البعض عملياً. واكتسبت الحكومة سمعة لا تحسد عليها تتعلق بكونها أكثر حكومات اليمن فساداً على الاطلاق في ظل عجزها عن معالجة تدهور الظروف المعيشية في البلاد.
 
المجتمع الدولي ايضاً يتحمل مسؤولية كبيرة عن غياب التنمية الاجتماعية والاقتصادية. فبعد المطالبة بتوفير 8 مليارات دولار امريكي في سبتمبر 2012، تم الامتناع عن توفير تلك التمويلات بذرائع مختلفة، بعضها أصح من الأخرى، غير أنها جميعاً أدت الى تدهور مستمر في الخدمات العامة.
 
وقد شهدت تلك الفترة بروز الحوثيين الذين تقدموا لتعزيز قبضتهم على محافظة صعدة الشمالية. وقاموا بتوسيع نطاق سيطرتهم عسكرياً وسياسياً غرباً باتجاه البحر الاحمر بهدف السيطرة على ميناء ميدي الصغير لضمان أن لا يكونوا محاطين باليابسة، إلى جانب السيطرة على الجزء الغربي للحدود مع السعودية كلياً.
 
كما تحركوا شرقاً باتجاه الجوف التي تقع هي الأخرى على حدود السعودية، لكن هذه المرة لاعتقادهم باحتواء المنطقة على ثروات النفط. وعلاوة على ذلك قاموا بالتمدد جنوباً ووصلوا محافظة عمران في منتصف عام 2014، حيث تبعد فقط عن صنعاء بـ 50 كم من الشمال، وذلك بعد استيلائهم على معقل زعماء حاشد البارزين.
 
وكان هنالك العديد من نقاط الارتباط بين النظام الانتقالي المترهل وبين بروز الحوثيين. حيث عُرف الاول بممارساته في الفساد وغياب الكفاءة والعجز عن معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للسكان؛ فيما استفاد الاخر (الحوثيين) من تحالفهم "السري آنذاك" مع صالح.
 
المساهم الاخير لنجاحهم تمثل في التنافسات الداخلية في النظام الانتقالي. حيث سعى هادي لإضعاف الاصلاح عبر السماح للحوثيين بهزيمتهم، بنية السيطرة على الحوثيين. يمكن للمرء أن يفترض فقط أنه (هادي) لم يكن مدركاً لتعاونهم (الحوثيين) مع صالح.
 
وفي صيف عام 2014 عارضت مظاهرات كبيرة مناهضة للحكومة الزيادات التي أوصى بها صندوق النقد الدولي في أسعار الوقود. وقد استغل الحوثيون صورتهم كأقلية مضطهدة عندما دعموا المطالب الشعبية ودفعوا باتجاه محاسبة الحكومة. واستطاعوا السيطرة على صنعاء في 21 سبتمبر 2014 وقاموا بتعزيز موقعهم خلال الاشهر اللاحقة.
 
وبحلول شهر يناير عام 2015، شكل تسليم مسودة الدستور الجديد لهيئة مؤتمر الحوار الوطني، مبرراً للمواجهة الاخيرة. حيث اعتبر كلاً من الحوثيين وصالح مقترح الدولة الفيدرالية، امراً غير مقبول لعدة اسباب. وتم وضع هادي وحكومته الجديدة قيد الاقامة الجبرية، فيما توغلت قوات الحوثي-صالح جنوباً وسيطرت على عدن بحلول شهر مارس. وبعد هربه من صنعاء أعلن هادي عدن عاصمة مؤقتة لليمن، و(بعدها) فر مع وزرائه الى الرياض، وطلب دعماً عسكرياً من دول الخليج لإعادة النظام الانتقالي.
 
القطر الاوسع للحرب
 
في السياق الإقليمي، كانت هنالك أرجحية لانتصار في مصلحة قوات الحوثي - صالح في ربيع عام 2015. وقد رأى وزير الدفاع السعودي المعين حديثاً، الشاب الطموح محمد بن سلمان، في تدهور اليمن فرصة لإثبات نفسه كقائد جديد ملئ بروح المبادرة وبعزم تعزيز دور السعودية في المنطقة. وافترض بأن قواته الجوية الحديثة المزودة بأحدث تسليح غربي، ستهزم القوات ضعيفة التدريب في الدولة الأفقر في العالم العربي.
 
وخلال اليوم الأول من الحرب، دمرَّ التحالف الذي تقوده السعودية، القوات الجوية اليمنية. وبحلول صيف عام 2015، أصبح من الضروري اشراك قوات برية، معظمهم من الامارات واعضاء أخرين في التحالف، كالسودان بشكل رئيسي، جنباً الى جنب مع مرتزقة مأجورين من دول عديدة في أمريكا اللاتينية. حيث مكن هذا التكتيك قوات التحالف من "تحرير" منطقة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقا وبعض المناطق الشمالية الشرقية من البلاد بحلول خريف عام 2015. غير أن المأزق العسكري هو الذي ساد.
 
عملية السلام التي ترعاها الامم المتحدة فشلت لثلاث مرات في تنظيم خطة للتسوية بين الاطراف المتقاتلة في البلاد. ومنذ منتصف 2015، لم يكن بمقدور الوساطة الأممية عقد جولة أخرى من المحادثات. وفي العامين الماضيين كان هناك تطورين سياسيين رئيسين هما: - 
 
1) في مناطق سيطرة الحوثيين، ازداد التوتر سوءا ً داخل تحالف الحوثي- صالح، ليتوج بقتل الحوثيين لصالح في منزله بصنعاء في الرابع من ديسمبر 2017، مما جعلهم يسيطرون كلياً على المرتفعات الشمالية للبلاد. وهذه ربما ستكون ذروة قوتهم، حيث سيتوجب عليهم الان اضافة القوات الموالية لصالح الى قائمة خصومهم، بما في ذلك اولئك الذين بقوا في منازلهم خلال القتال وأولئك الذين غادروا بعد اغتيال زعيمهم. 

2) تفكك وتشظي المناطق "المحررة". حيث أن السمة الرئيسة لحكومة هادي تتمثل في غيابها: المحافظات الجنوبية تخضع لسيطرة تشكيلة من القوات بما في ذلك الانفصاليين الجنوبيين (المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس في مايو 2017 ويعد حالياً أكثر تلك الجماعات نفوذاً)، وقوات اقليمية محلية متنوعة، اضافة إلى الجهاديين. 

وقد انشأت الامارات ومولت ودربت ونشرت قوات أمنية وعسكرية معروفة بالحزام الأمني في المحافظات الغربية، وقوات النخبة في المحافظات الشرقية. حيث تتكون كلها في الاصل من سلفيين محليين ولا تشكل هيئة مترابطة.

أما المناطق الشمالية فتخضع لنائب الرئيس (منذ ابريل 2016) علي محسن الاحمر، وهو اسلامي في اقصى الطرف المتطرف من الطيف الإصلاحي. وقد تفككت مؤسسات الدولة بدرجة كبيرة، ويعزى ذلك جزئياً الى، فشل النظام الحاكم المعترف به دولياً في دفع رواتب موظفي الدولة.
 
وبينما يضم التحالف العربي دولاً عديدة، فإن اتخاذ القرار هي مسألة تخضع للسعوديين والاماراتيين. ومع ذلك، هنالك تبايناً متزايداً في السياسة والاستراتيجية بينهما (السعوديين والإماراتين) الأمر الذي يبدوا جلياً في الجنوب.
 
وبصرف النظر عن الخطاب العام، تدعم القوات الاماراتية الانفصاليين عملياً من خلال المجلس الانتقالي والقوات الأمنية. وبينما يزعم الإماراتيون أنهم يعالجون مشكلة الجماعات الجهادية (كالقاعدة وداعش)، إلا أن معظم تدخلاتها (الإمارات) واعتقالاتها تتم ضد الاصلاحيين، الذين تعتبرهم الامارات من الاخوان المسلمين، الذين يمقتونها في الاساس.
 
ويواجه الاجانب صعوبة في فهم دعم (الامارات) للجماعات السلفية المتطرفة التي تعد أشد خطراً للإسلام العصري الحداثي أكثر من الاخوان المسلمين. ويتركز الاختلاف والتباين مع النظام السعودي في هذا الجانب، كونها تدعم علي محسن نائب الرئيس، الذي يعد قائداً اصلاحياً رئيسياً، وكونها (السعودية) تنتهج مقاربات مختلفة تجاه المؤسسات المتعلقة بالإخوان المسلمين، منذ عقود.
 
أزمة انسانية حادة
 
في البلد العربي الأفقر، مع مستويات مرتفعة للفقر وسوء التغذية، فقد تسببت الحرب الحالية بأسوأ ازمة انسانية في العالم. حيث يعيش 22 مليون من أصل 29 مليون من سكان اليمن في أمس الحاجة للإغاثة الانسانية، كما أن 16 مليون يمني لايزالون يفتقرون للماء النظيف والمرافق الصحية. ويعاني 18 مليوناً من انعدام الامن الغذائي، من ضمنهم 8 ملايين على حافة المجاعة. كما بلغ ضحايا الكوليرا مليون شخص، وفقاً لإحصاء دولي آخر [4].
 
قرابة 1600 شخص لقوا حتفهم جراء غارات التحالف الجوية، وكان أكثر الاسلحة فاعلية هو حصار ميناء الحديدة الرئيسي لليمن وموانئ أخرى، اضافة الى الحظر المفروض على مطار صنعاء.
 
كما أودى الجوع والمرض بحياة عديد الاف اليمنيين، اضافة الى تداعيات جانبية للحصار وهو السبب الرئيس وراء الازمة الانسانية.
 
هل هي حرب مفتوحة؟
 
تعود استمرارية الحرب اليمنية إلى سببين رئيسين: -

1- أن التدخل الدولي قد أضاف طبقة أخرى من القضايا المعقدة، والتي يبدو أنها لا علاقة لها باليمن واليمنيين. فالمشكلة الاساسية هي التنافس السعودي الإيراني. حيث أن الاتهامات السعودية بأن الحوثيين ليسوا الا "وكلاء إيران"، اصبحت جزءاً من الخطاب الرسمي في المنطقة وخارجها، بما في ذلك الولايات المتحدة. 

وبينما تكمن الحقيقة في أن انخراط إيران الفعلي يعد ذا مستوى أدني، تستفيد إيران من ميزة دعائية كبيرة مقابل دعم عملي محدود جداً للحوثيين. حيث لا يخدم ذلك العامل المضاف سوى تعقيد مساعي التوصل لحل (للازمة).
 
2- اما السبب الثاني فيتعلق باليمن محلياً وخارجياً. ففي السياق المحلي، تستفيد جهات كثر في جميع الاطراف من الحرب. وليس فقط انهم لا يملكون ايما دوافع لإنهاء الحرب، وإنما لديهم دوافع لإطالتها. فهم يشركون الرجال والاولاد في رفد نقاط التفتيش التي تجمع الضرائب من المسافرين والبضائع (بما في ذلك الحاجيات الضرورية التي تبقي الناس على قيد الحياة، والطعام والوقود والناس الباحثين عن مساعدة طبية). 

ويأتي بعد ذلك الحوثيون في مناطق سيطرتهم، والذين يملؤون جيوبهم ويمولون "ادارتهم" من خلال ابتزاز التجار وغيرهم، لكنهم لا يستخدمون المال لدفع رواتب القطاع الصحي والتعليمي او أيا من الموظفين المدنيين.
 
في المناطق "المحررة"، تشمل قائمة المنتفعين من الحرب أي عدد من الجماعات، تتراوح بين جهاديي القاعدة وداعش الى مسؤولي كل شيء من مختلف الجماعات الانفصالية الجنوبية إلى القلة الباقية من أنصار حكومة هادي.

اما خارج اليمن، فيحصل اعضاء حكومة هادي على رواتب مرتفعة ويقومون بتسليم التحالف فواتير باهضة، لكنهم يفشلون في دفع الرواتب في بلدهم.
وتلك هي سخرية الاقتصاد السياسي للحرب.
 
على المستوى الدولي، تبيع دول غربية أسلحة وذخيرة في غاية التطور وباهضه الثمن للسعودية والامارات. ووفقاً لمعهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI) كانت السعودية ثاني أكثر مستورد للسلاح في العالم خلال الفترة من 2013 حتى 2017. بما نسبته 10% من جميع واردات السلاح. حيث ازداد نصيبها من الواردات بنسبة 225 % عن السنوات الخمس السابقة. ويأتي 61% من الاسلحة من أمريكا، و23% من بريطانيا، و 3.6% فقط من فرنسا.
 
وفي حالة الامارات، التي تعد رابع أكبر مستورد للسلاح عالمياً، فإن الولايات المتحدة تعد أيضا أكبر مورد للأسلحة لها بنسبة (58%)، تليها فرنسا (13%)، وإيطاليا (6%). [5].
 ومؤخرا، معظمنا شاهد الرئيس ترمب وهو يجلس مع محمد بن سلمان ويقوم "بعرض والحديث" لوسائل الإعلام عن أحدث المبيعات المقترحة.
 
استنتاجات
 
هذه الدراسة تقدم استعراضاً سريعاً للأحداث التي أدت لتفكك اليمن. وبشكل أساسي يعزى الانهيار الى مزيج من التنافسات الداخلية بين النُخب، والمطالب المتزايدة للسكان الذين عايشوا قساوة متزايدة للظروف المعيشية، اضافة الى تداعيات التدخلات الدولية من قبل الممولين الليبراليين الجدد، واللاعبين ذوي الدوافع السياسية مع أو ضد الاطراف الداخلًية المتنافسة.
 
الحرب الحالية تتشارك بعض الخصائص مع حرب لبنان الأهلية، مع وجود لاعبين خارجيين مختلفين يسعون لاستخدام الاطراف المحلية لتحقيق تنافسات دولية. ويعاني اليمنيون من تداعيات ذلك الى حد مرعب.
 
ومن بين ذلك، بزغ بريق أمل صغير في بداية العام الحالي، مع تعيين مبعوث أممي جديد لليمن، بالإضافة الى وجود اعضاء في مجلس الامن الدولي التزموا بإيجاد نهاية للحرب.
 
غير أن نافذة الامل والفرصة، ستتطلب تحولات رئيسية في القرارات الأممية، اضافة الى مقاربات وأساليب جديدة معقدة ومتطورة، تشمل لاعبين كثر مستثنون حالياً من عملية التفاوض الرسمية.
 
وتلك لن تكون عملية سهلة والنجاح ليس مضموناً مطلقاً خصوصا ً في إطار مشهد البعد الدولي المعقد للتنافس السعودي الايراني.
-----------------------------------
المراجع:
[1] هيلين لاكنر، "اليمن في أزمة: الاستبداد والليبرالية الجديدة وتفكك الدولة"، كتب الساقي 2017
 
[2] المرجع نفسه
 
[3] يمكن الاطلاع على تحليل مفصل للانتقال السياسي في كتاب هيلين لانكر (2016): الانتقال السلمي لليمن من الاستبداد: هل كان يمكن أن ينجح؟ ستوكهولم، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية.
 
[4] أخبار الأمم المتحدة، "ملاحظات الأمين العام المقدمة لمؤتمر إعلان التبرعات بشأن اليمن"، 3 أبريل 2018
 https://www.un.org/sg/en/content/sg/statement/2018-04-03/secretary-generals-remarks-pledging-conference-yemen-delivered
 
[5] SIPRI، "وسائل نقل الأسلحة دوليا، 2017"، https://www.sipri.org/publications/2018/sipri-fact-sheets/trends-international-arms-transfers-2017
 
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر