‏الألغام.. القاتل المأجور


نور ناجي

‏يتوافد المبعوثون الدوليون على اليمن بحقائب سفر خفيفة الوزن فلا شيء ثابت في مهمتهم، ولا معاهدة سلام قد يقبل بها أطراف النزاع الممسكين بخيوط منقوصة لا تحفل أو تهتم بالسلام ..!

‏فقط الأرض هي المثقلة بالأحزان والانتظار!.. لا شيء يتكاثر على ظاهرها سواهما، أما الباطن فهو يحمل من الألغام ما يفوق الضحايا الذين ابتلعتهم..

‏لو قدر لهذه الأرض، التي مرت عليها ميليشيا الحوثي، أن تقلب نفسها رأساً على عقب لتساقط من فمها المطبق الآلاف من الألغام المتعطشة للحم بريء...!

‏قاتل مأجور، دُفعت ثمن جرائمه مقدماً، لم يهتم زارعه- حين القمه البارود- بأن يسلم له قائمة مطلوبين أو أسماء ضحايا محتملين، وقد وجد أن كل كائن حي فريسة مباح دمها..!

‏لا تخلو الاخبار من انفجار إحداها هنا أو انتزاع روح بريئة هناك، ولمعان معدنها الرمادي الساخر يقف بتحد سافر، مصطفاً أمام كاميرات نازعيه: "مازالت الأرض ممتلئة بي حد التخمة، ولن توقفني أذرعكم"..

‏لا ينتصر ذلك القاتل في كل معاركه، فقد تربح فريسته جولة وتخرج بحياتها لتتنفس سنوات عديدة رغماً عنه، لكنها تكون قد منيت بخسارة لا يستهان بها، وهي منقوصة الأطراف والروح.

‏ما يزيدنا ألم ووجع، وربما إحباط، أن هذا القاتل ليس بجديد على أرض اليمن، فهو متخفي بين ثنايا ترابها مدى الحروب التي تعاقبت عليها، حتى صار من الأمور المعتادة، فلم نتوقف حتى في أيام السلم عن سماع أخبار إصابة عابر وحيد، أو راعي غنم حُرم للأبد من رحلة عشقه مع أغنامه بين الجبال والوديان..

‏لا اعتقد بأن الشعب اليمني مازال معني بمغادرة مبعوث أو استقبال غيره؟! لم يعد يرفع سقف توقعاته لما سيقوله مبعوث اليوم بعد أن فقد الثقة في أن يطال أي منهم سقف أحلامه..!

‏كل ما سيقال تكرار سابق لما قيل، واستقراء ممل لما سيقترحه قادم في الغد؛ أفرغنا على مفارق الإنتظار أي لمحة من أمل؛ فلن تثيرهم شكوانا بشأن الالغام الفاغرة عن فمهما، ولن يلتفت أحد لمطالب انتزاعها، وقد اداروا رؤوسهم عن انتزاع فتيل الحروب المسببة لوجودها !!..

‏ما يجدر بنا الاهتمام به؛ هو السير برفق على حواف الأرض، ندوسها بحذر خوفاً من إيقاظ فم شره مستعدا لوجبته القادمة..

‏ستنتهي الحرب؛ فلا حرب تبقى إلا بين ذكرياتنا وجنبات كتب التاريخ المكسوة بالغبار؛ سينفض أربابها ذنبها عنهم سريعا ليمارسوا عهرهم بالتباكي بين الحين والآخر على ضحاياها..!!

‏وسيقبع الغالبية العظمى، ممن ابتلي بها، في مجهول بعد نظرات معاتبة تطالبهم بالغفران والتسامح؛ يتسلون بحكايات الوحش القابع بانتظارهم.

‏وحده القاتل المأجور من سيُترك حراً دون إدانة أو ملاحقة، وسيبقى وفياً لما خلق له، ولن نجد لافتة لملامحه كمطلوب للعدالة!

 وثنايا الأرض الوجلة مضطرة للاحتفاظ بطعم الموت المر في فمها، وهي مرهفة آذنيها لتكات جوعه القاتلة..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر