‏الثمن البخس للمواطن


نور ناجي

 ‏أن تردد عبارات إنشائية عن مدى رخص الإنسان وتدني قيمته، شيء، وأن تشعر به يقضم أطراف كرامتك، شيءٌ  مختلف تماماً...!

‏لا أنكر لحظات الفرحة التي تجتاحني وغيري ونحن نرى بأهداب الدهشة سقوط الرايات الخضر والشعارات القميئة المليئة باللعنات، بعنجهيتها وتكبرها المريض، وفرار أصحاب الركب المستعدة للتقبيل، وهي تتعثر عليها، لا تلوى على شيء، وإخراس اصوات الزوامل للأبد.

‏تهليل الجموع وفرحتهم بهذا السقوط بشكل إعجازي درامي يعجز عنه أكبر مخرجي أفلام هوليوود، بواسطة نفس الأيادي التي شرعت له الأبواب، قد تصلح لتكون خطة حربية تُدَرَس طريقتها المبتكرة في المدارس العسكرية، وأقترح أن يُطلق عليها تسمية "مش حاربي وارقدي".

‏تم تنفيذ خطواتها بمنتهى الدقة، خطوة خطوة؛ حاربوا بكل قوة، فلم تُترك دار إلا ووضِّعَت بصمات دماء الحرب على حوائطها، حاربوا في الساحات والمدن، على الجبال والسهول، عاثوا فساداً في الأرواح وأدموا القلوب، تشرد الكثير، وتذوق الجميع مرارة لم يزل طعمها ولن يزول، وللأسف الكثير حارب ولم يتوقف الا في القبر، بعد أن جر معه لذلك القبر الكثير من الأبرياء...!

‏وبين توالي الصور تدرك فجأة، وبشكل متأخر، بأنك كنت مجرد "كومبارس" بلا ثمن في أحداث مبارأة لكرة قدم، أدخِلتَ في أشواطها دون أن تطلبها، أو ترتكب ما يدعوا الى جرك فيها، سوى أنك مواطن...!

‏مبارأة كنت فيها "كُرة " سريعة التنقل بين الاقدام، تجري بدوامة لا نهائية بعد تلقي الضربات، تُركَل من كل أطرافها السياسية بلا استثناء، وحين تحاول تلك الكرة تخطي حدود الملعب تعود بركلة سريعة من التحالف الذي يقف خارج الملعب كحكم صارم، يحدد طريقة اللعب وضربات الترجيح وزمن انتهاء المباراة...!

‏أقيمت احتفالية على شرفك أيها المواطن "الكرة"، استمرت ثلاث سنوات، تحملت فيها رعونة المبتدئين، ونزق الطائشين، ودسائس المخضرمين، أصحاب الخبرة، لكن لا شيء مما سبق يساوي شعورك المؤلم بالثمن الرخيص الذي دُفِّعَ في تلك الكرة المستديرة...!

‏يهتف الجميع الآن وقد شارفت المباراة على الانتهاء بعبارة: "عادت الجمهورية"، لقد استعيدت، وطُرِّدَ الحاوي الذي كان ينوي ابتلاعها، لولا تصدينا له، بحجمنا الكبير الذي لم يقوى عليه بلعومه الضيق...! وأنت تقف متفرج لا تدرك ما الذي ينبغي عليك فعله: أتضحك أم تبكِ...!!

‏في النهاية، سيخلع جميع اللاعبين ثياب أدوارهم في المبارأة الهزلية، استلموا أجور عملهم متجاهلين المواطن الباقي على حاله "كُرة" مزقتها اللعبة والحرب؛ سيغادرون دون أن يلقوا نظرة على الدماء الحارة التي نزفت بلا أدني سبب، البنية التحتية التي سويت بالأرض، الجوع الذي عصر البطون، الجراح التي لم يتبقى في العمر وقت لاندمالها، وإحساسه الموجع بالتسعيرة الرخيصة التي وضعت على جبينه.

‏هنيئاً لنا عودة الجمهورية الغالية، وهنيئاً لنا الثمن البخس الذي نستحقه.
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر