نظرة إلى الجمهورية الفتيَّة


مروان المنيفي

 لاكت الألسنة لعقود طويلة المقولة الشهيرة "الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة" دون تحديد ظروف قولها وزمانها وواقعها ومناسبة القول وفي أي حدث كان.
 
والمقولة هي للرئيس الثاني للجمهورية العربية اليمنية "عبدالرحمن الإرياني" بيد أنها لا تعنينا في استبار محاسنها أو مثالبها لأنها غمرت لبُ جوانب الخطاب الأهم في الفكرة والمضمون واللفظ والأسلوب وإلى أي شيئاً ارتكز.
 
لم يحظ هذا الرئيس مثل خلفه المقدم إبراهيم الحمدي من تأييد الجماهير الشعبية المنجذبة لخطابته والتسجيلات الصوتية إلى يومنا هذا، لأن عهد الأخير كان خَصِيبا في الإذاعة والتلفاز.
 
ما زلت على قناعة ان تأخر الشهادات والمذكرات لهذا الرجل أو غيره تسببت في تجييّر الأحداث التاريخية أو الانتقاص من بعض الشخصيات.
 
أغسطس 1969 حضر الرئيس الإرياني المؤتمر الطلابي أقامه الاتحاد العام لطلبة اليمن والمشاركين فيها الطلاب اليمنيين وممثلين من الخارج وكلهم مننتمين لحزب البعث الفصيل السوري ومجموعة من الشيوعيين، وكانت الخلافات بين هذه الأحزاب في الاقطار العربية المركزية شديدة ولها نصيب في اليمن.
 
راح يرحب بالحدث الجديد في العهد الجمهوري نحو السير بالدولة الحديثة من خلال العمل الطلابي المنظم. في وقتنا الحاضر يندهش اليمني ويصيبه الحسرة كلما شاهد صورة لدول الجوار وأي تحديث قفزت إليه، فمن موقع الرئيس الملتزم أخلاقياً وسياسياً الطالع بمكامن الوضع القائم الموروث من الإمامة بدأ أولاً في سرد المنطق والحقائق:
 
"إن عدداً كبيراً قد وصل إلى اليمن من الخارج كممثلين للقطاعات الطلابية من أبنائنا في الخارج ولعلكم جميعاً قد لاحظتم ان المرء يُصاب بالذهول ويعتصر قلبه أشد الآلام حينما ينزل على تراب وطنه فيلمس الهوة الشاسعة والتفاوت المخيف بين واقع بلاده وحياتها وبين البلد القادم منها".
 
على ذكر ذلك مضى ثانياً في الشرح قاصدٍ هز العواطف وإثارة الوجدان مع تأكيده انه يخاطب العقول فقط: "على يقين ان هذه المشاعر لا بد أن تكون قد أحدثت في نفوسكم الطموحة والواعية ردود فعل إيجابية وبناءة في جسامة المسؤولية وضخامة الواجبات التي تنتظر كل القوى الجديدة وأن يكونوا الممسكين بالدفة في هذا البلد وتبين لديكم الإدراك وفهم الواقع واستيعاب معطياته ومشقاته وأكسبتكم الموضوعية في الفكر والعمل لمعالجة الأمراض وحل مشكلاته إنطلاقاً نحو تحقيق الدولة العصرية المكتملة الملامح والقسمات ليتأتى لشعبنا وبلادنا الازدهار والتقدم والعدالة".
 
بعد هذه التوطئة صاغ للشباب مقاربة بين النظام الإمامي البائد والجمهورية الفتية:
 
"نعم أيها الأبناء الأعزاء..ها أنتم تعيشون وتشاهدون الصورة الحقيقية لواقعكم المعاش تعلمون أن القسمات والملامح الجديدة والإيجابية في هذه الصورة لا تزال قليلة وناشئة، بينما التخلف وملامحه البشعة في الذي تركه لنا حكام العهد المُباد لا تزال السائدة. ورغم قسوة الحقيقة، إلا أن الأمر العظيم والمهم هو أن مظاهر هذا التخلف لم تعد مفروضة على الشعب بقوة ذلك الحكم الكهنوتي المتعفن، الذي كان يجعل من مظاهر هذا التخلف والإبقاء عليه سياسة له وضرورة لاستمرار بقائه، والذي كان يجعل الحكم حقاً إلهياً مقدساً لا مسؤولية وتكليفاً، ويجعل من الحاكم ظلاً لله في الأرض لا خادماً مؤتمناً للشعب. والذي كان بالتالي يعتقد أن للحكام ما شاؤوا من الحقوق على الشعب، بينما لا يرون للشعب حقاً في أي شيء، وما على الشعب عندهم إلا أن يحيا متلقياً لا معطياً وموافقـاً لا مريداً، تماماً كما يحيا القطيع.
 
أما اليوم وفي ظل الثورة والجمهورية فإن الإرادة الشعبية حرة بلا حدود وطليقة بلا قيود، والمجال اليوم مفتوح أمام الشعب وأمام كل مواطن للعمل وللنضال من أجل إزالة كل آثار التخلف ومظاهره والحكم والحاكمون أو بالأصح المسؤولون لم يعودوا إلا مؤسسات للاختصاصيين، للصالحين للقيادة ولتنظيم العمل والنضال في مختلف مجالات الحياة وجوانبها.
 
هنا يتوقف عند الرؤية الموضوعية وصورها للشباب الطامح في العمل السياسي ودفة الحكم للبلاد: "إن من الأمور المحتمة على القوى الجديدة التي سبقتكم إلى ميدان العمل، وعلى القوى الجديدة التي تمثلونها أنتم كقوى طليعية أولى أن تأخذوا عنا تجربتنا، وأن تستوعبوها وتتمثلوها، وأن تجعلوها منطلقاً لكم نحو تحقيق ما لم يسمح لنا الوقت أو المرحلة بتحقيقه. وبدون استيعاب هذه التجربة فإنكم ستضطرون إلى صياغة تجربتكم بدءاً من جديد تماماً، كما يمكن أن يعمل أي أحمق يريد اليوم أن يبتكر للناس طريقة للحساب والعد، ناسياً أو متناسياً أن الناس قد وضعوا الأرقام وإننا نعيذكم بالله أن تكونوا كذلك".
 
وفي الفقرة التالية تحدث بالقدرة البيانية بُغْية الوصول إلى المراد المقصود من أقصر الطرق في ما يتعلق بجانب الفكر والحزبية بعد ان قال المقولة الشهيرة التي نالت الاعجاب والسخط وأكد على الشباب الذي سيضطلع بالمسؤولية متسلحٍ بالقيم الروحية والأخلاقية ان مصلحة اليمن هي كل شيء وقبل كل شيء:
 
"نحن نفتح أبواب بلادنا للفكر والثقافة والمعرفة لتأتي من أي مكان، ولكننا وبصراحة نقفلها أمام الحزبية الضيقة، ونعتبرها ظاهرة مرضية نضع عليها حجراً صحياً حتى تصبح فكراً وطنياً قومياً عالمياً في منابعه، إنسانياً في آفاقه، وحتى يصبح لهذا الفكر تنظيم يمني أصيل ينبع من أعماق هذا الشعب، مستفيداً من تجارب الآخرين التنظيمية لا واقعاً تحت التنفيذ والنفوذ. وبهذا وحده يكون الفكر والمعرفة، وتكون الخبرة والتجارب عملاً إنسانياً صالحاً لخدمة هذا البلد ولصالح هذا الشعب".
 
الحديث كان فارضاً الوحدة اليمنية بثالوث السياسية والجغرافيا والتاريخ:
 
"من المصابيح التي يجب أن تظل مشتعلة على الطريق الوحدة الوطنية للشعب اليمني كله، فنحن نؤكد ضرورة التمسك بهذه الوحدة، والحرص عليها، والذَّب عنها، وحمايتها من كل تخريب وتمزيق. إننا وبدون وحدتنا الوطنية المتماسكة والقوية لا يمكننا أن نحقق شيئاً مما نصبو إليه، بل لا يمكن المحافظة على شيء مما حققناه.. فلا شمال ولا جنوب، ولا زيدية ولا شافعية ولا عدنانية ولا قحطانية، ولا حزبية ولا تبعية، بل شعب يمني واحد يعمل في بلد واحد، ويتجه نحو إنشاء تنظيمه الوطني الموحد ليصوغ مجربته الخاصة في الحياة الديمقراطية، وفي بناء صرح الازدهار والتقدم والعدالة".
 
وهناك من برر المقولة آنفة الذكر بأن القصد منها عدم الارتباط بالأحزاب العربية الخارجية والتقييد بفكرها والتعصب لخلافاتها في اليمن ولم يقصد الممارسة الحزبية، وهو منهج وفكر ارتضاه الجمهوريين الأوائل في بناء الدولة.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر