ميلاد النبي


سلمان الحميدي

 في إحدى القرى اليمنية، كان هناك رجل طيب اسمه عبدالودود، يتعاون مع الناس، يجبر بخاطر العجائز، ويتحسس حاجات المساكين، ويبتسم في وجوه أبناء القرية، ويحضر في مآسيهم. أحبوه والتفوا حوله، وكانوا يلجؤون إليه لحل مشاكلهم البسيطة، تعلقت به القلوب وذاعت سمعته الطيبة، حتى أن أبناء القرى المجاورة كانوا يأتون إليه..
 
مات عبدالودود، وخيم الحزن على القرية. لم يكن هناك وريث لهذا الرجل ليواصل مسيرته الطيبة ولا يوجد من يشبهه.
 
في القرية نفسها، كان هناك رجل طائش اسمه عبده بدر، لا يجيد شيئاً مثلما يجيد أذية الناس، استغل الفراغ الذي تركه عبدالودود ونصّب نفسه شيخاً على القرية. عبده بدر هذا ــ رغم مكانته الجديدة، إلا لم يقطع صلته بتاريخه القديم ــ كان يدخل إلى المنازل ويسرق أهلها، وإن اعترض أحد أبناء القرية أو اكتشفه، يوجه البندقية إلى رأسه ويجره إلى ساحة في القرية وضربه أمام أبنائها تحت شجرة العائلة.
 
كان عبده بدر، يسرق سراً وعلانية، يبطش ويضرب، يعتدي على المواشي، الزروع، الحبوب، الأرض، الحجار، وكل شيء.. بدأت سمعته السيئة تفوح في الأرجاء، وفي لحظة صفاء اقترح عليه أحد معاونيه الرزينين أن يقوم بإحياء ذكرى ميلاد الراحل عبدالودود ليغسل سمعته، فقام عبده بدر بسلب محاصيل أبناء القرية بهذه المناسبة،  بدأ الناس يعترضون: «لا يجوز أن تحفل بميلاد عبدالودود الطيب بسرقتنا» فما كان منه إلا أن جمع المعترضين إلى الساحة وقام بجلدهم تحت شجرة العائلة.
 
أخذ عبده بدر من الثيران ما أخذ غصباً عن أصحابها، وأخذ من الكباش والجداء أيضاً، وأخذ من الأموال والحبوب، وفي منتصف شعبان احتفل بميلاد عبدالودود بالكثير من الذبائح التي أكلها مع معاونيه ورمى بالباقي للكلاب.
 
بعد حفلة الميلاد، عاد عبده بدر لعمله السابق، كان أبناء القرية يتحسرون ويترحمون على عبدالودود، وكانت السمعة السيئة لعبده بدر تنتشر أكثر، فوجه معاونيه لسلب أبناء القرية ومشاطرتهم أموالهم أو مصادرتها كاملة، للاحتفال بميلاد عبدالودود، كان يريد لصق أفعاله السيئة بدغدغة قلوب الناس بعبدالودود: «ها أنذا أفعل شيئا طيباً للراحل الذي يعيش في قلوبكم» هذه المرة كان الاحتفال بسبعة صفر.
 
استمر عبده بدر، يقيم حفلة ميلاد لعبدالودود  كلما شعر بأن سمعته تسوء، في السنة الثالثة  أقام 17 حفلة ميلاد في السنة الواحدة، وكان من يعترض أو يظهر متبرماً، جره إلى تحت شجرة العائلة وجلده أمام الأشهاد.
 
تزايد بطش عبده بدر، نسخ رغباته في نحائز أقاربه ومعاونيه، بدأت حفلات الميلاد باسم عبدالودود تتكاثر، لم يكن أهالي القرية يعترضون، فكل من اعترض تعرض للحديد والنار، وجد عبده بدر حفلات الميلاد وسيلة لبناء ثروة، غيَّر اسمه إلى "الملك عبده بدر"، بلغت حفلات الميلاد في السنة الرابعة إلى 30، ثم 67 في السنة التي تليها، وذات يوم، تذكر عبده بدر أمه الميتة، وقرر مسامحة أبناء القرية بحفلة ميلاد عبدالودود الذي يحبه الناس، ترك "الدفع طواعية"، ففرح أبناء القرية ولم يدفع أحد، وجلسوا يتذكرون عبدالودود وطيبته في ذلك اليوم، وهنا اشتاط عبده بدر غضباً، ورأى أن عدم دفع أبناء القرية طواعية ؛ تمرداً على رغبات الملك، فوجه معاونيه وأقاربه لتكسير المزارع وضرب المواشي بالرصاص، وسحب أرباب الأسر إلى ساحة القرية، وضربهم تحت شجرة العائلة بالرصاص.
 
وفي كل سنة تزيد مناسبات الميلاد، حتى بلغت 300 حفلة في السنة، حياة أبناء القرية تحولت إلى جحيم، وبلغ بطش عبده بدر ذروته، وفي يوم من الأيام، تذكر والده الراحل، فقرر إعفاء الناس من المشاركة المادية بحفلة ميلاد عبدالودود إلا من أراد من تلقاء نفسه، ولكن أبناء القرية لم ينسوا ما وقع بهم عندما أكرم الملك عبده والدته، ولم يصدقوه.
 
حوَّل عبده بدر وأنصاره، كل أيام السنة عدا يوماً واحداً، إلى حفلات ميلاد، كان يظن أنه يغسل سمعته بدغدغة قلوب أبناء القرية بسمعة عبدالودود، وكان في اليوم الوحيد الذي لم يحتفل فيه، يوجه أتباعه بسرقة الناس علانية.
 
عندما صارت كل الأيام، حفلات غسيل، ولم يجد أبناء القرية شيئا يأكلونه، سلوا أسنانهم وضروسهم وتأهبوا لأكل عبده بدر ومعاونيه، اتجهوا إليه، خاطبهم: «سنحتفل بعبدالودود على حسابي».. مازال مصراً على استثمار محبة أبناء القرية لعبدالودود ليغسل سمعته السيئة. ولكن الجائع الذي افتقد كل شيء، لا يسمع غير توجيهات أمعائه.
لم يكن عبدالودود نبياً، أما القرية فصارت بلاداً، يمارس فيها الباطش بطشه، ويظن أنه يغسل سمعته بميلاد النبي!.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر