في كتاباتهم عن حزب "الإصلاح" والحرب، ينطلق البعض من أرضية يفترضون أنها صالحة للحكم على "الاصلاح"، ومسائلته كحزب، ضمن بيئة ومناخات سياسية طبيعية..!!
   
 لا نرى "الإصلاح"، كحزب، في كثير مما يطرح؛ بل مجرد جماعة دينية ومليشيا مسلحة..!  ما يعني إسقاط تاريخ طويل من الممارسة الحزبية، كان فيها "الإصلاح" شريكا حقيقيا لقوى اليسار واليمين وغيرها. ولم تكن "شراكته صورية" مطلقا- كما أشار العزيز "محمد المياحي" في مقال له مؤخرا. ولم يكن، يوما، ممن يتوجس من شراكة الأقوياء والأنداد؛ اذ لا أقوياء ولا أنداد هنالك، فَلَو وجدوا لما استدعى الأمر كل هذه الجلبة المثارة، والتى تتهم "الإصلاح" بتهميش هذا الحزب، واستبعاد ذاك. فالقوي والند يفرض نفسه بدون إستجداء أو صراخ.
 
وأود هنا الإشارة الى بعض الأمور المتعلقة بجوهر الإشكال المطروح، منها القفز فوق هذا  الواقع المريع، الذي خلقته الحرب، والذي فرض على "الإصلاح"، وغيره، القتال والمقاومة. وهو ما جعل هذه القوى المنخرطة في الحرب تعمل وفق مقتضيات المعركة ومنطق المواجهة المستعرة..
 
لقد فرضت الحرب شروطًا أخرى للحياة والبقاء، وأثرت عميقا على المجتمع كله، وخلقت منظومات قيم وأفكار وسلوكيات، مغايرة في الغالب. بل وأحدثت تشوهات، وخلقت ثأرات كثيرة، ودفعت بمجموعات هامشية وأفراد عاديين الى الواجهة، وهمشت كيانات وأطراف أخرى، وقسمت النخب والمواطنين والجيش، بعد تقويض الدولة، وضرب الحالة المدنية الناشئة، وقلبت الموازين، وأفسحت المجال لتسيد أطراف وجهات داخلية وخارجية، وهيأت لنشوء واقع بالغ الهشاشة والسيولة، وقابل للإختراق والسيطرة والتأثير والتوجيه والإستقطاب والخيانة..
    
الحرب غيرت الجميع، بما في ذلك الأحزاب. بدلت موازين القوى، وأوجدت واقعا جديدا، بأحمال وأثقال وأعباء ومشكلات وويلات جديدة..!. ويبدو النظر الى "الإصلاح"، وغيره من الأحزاب والقوى، بمعزل عن واقع الحرب، أمر لا يرشح للوصول الى رؤى منصفة، وأحكام مقاربة للصواب!!..
 
أن تجد شخصية متشددة، هي من مخرجات الحرب ومن أعداء السياسة؛ لم تؤمن يوما بالديمقراطية، ولا بالتعددية، ولا بالمجتمع المدني، والعيش المشترك، والإيمان بالآخر..؛ الحرب، بالنسبة لها، كانت فرصة كبرى للإتجار، ولفرض الخيارات العنفية، المنغلقة، والاستعداد لبيع الولاء، والعمل لصالح أطراف خارجية؛ إذ لا مشروع وطني، ولا شيء من ذلك ضمن قناعاتها وتوجهاتها.. 
 
وكون المجال، بالضرورة، مُهيء لتسَيّد الجنوح والجموح، مع توفر بواعثه وأدواته اللازمة، من مال وسلاح وتصّدُر وسيطرة وفراغ هائل..؛ انتعشت مخلوقات الحرب هذه، والتى برزت  نتاج أسباب متشابكة، قد لا تكون مرتبطة تماما بجوهر الصراع ضد الحوثي..
  
لم تأتِ، مثل هذه الشخصيات، من السياسة؛ بل من الحرب ومن سوقها الحرام!!؛ ظهروا كباعة  خدمات، لهم منطقهم ورايتهم ورؤيتهم، ميولهم وتمويلهم وضغائنهم وطموحاتهم، وأفكارهم  المغلقة، ومخازن أسلحة متطورة، وخزائن أموال لا تعد..!!
        
وضمن انفلات ولهاث محموم، لفرض الذات، وتبجح أخرق بالسطوة والسطو والسبق الى الغنائم والخيانات..!!
  
سمحت الحرب بوضع أفراد، من هؤلاء الهامشيين الصغار، في مواجهة الكبار. في حين لم تكن السياسة لتسمح بذلك أبدا. 
 
في تعز، كان هناك إعداد لسيناريو مماثل لما حدث في عدن، حيث هزمت الحربُ السياسة!. وكان "الإصلاح" أول الضحايا المبعدين. وذلك مثال لما يمكن أن تفعله حرب هازلة من اختلالات في توزيع القوة، وجنايات بحق حزب سياسي وطني كبير، مقاوم، كالإصلاح؛ انتصر في الحرب ودُفع، برعب، لتسليم مكاسب التحرير، ونفسه، للخسران؛ متوهما أن اللحظة كانت مواتية لإثبات تجرده، كحزب، من الملشنة ونزوعاتها المغوية، وتأكيده على أنه حزب سياسي مدني، قاوم وقام بما عليه، دونما أية اشتراطات..   
 
مازال "الإصلاح"- الأكثر انكشافا في هذه الحرب- هو الأكثر تضحية والأكثر خسارة؛ يواجه الموت، ملاحقا بالريب والاتهامات، محاربا من الداخل والخارج..!!
 
ربما كانت الأحزاب، جميعها، بحاجة الى إعادة تأهيل، لكي تبرأ من أدواء الحرب، ولكي تستعيد السياسة زخمها وعافيتها وفعاليتها وقدراتها، وحضورها لمواجهة مخلفات الصراع، ومعالجة التصدعات والشروخ المجتمعية والوطنية المتعاظمة..
  
و"الإصلاح" مطالب- كونه الحزب الكبير- بالشروع في عملية إنعاش كبرى للسياسة داخله، وفي محيطه الوطني العام. وهذا يتطلب منه البدء، بكل تأكيد، في اتخاذ تدابير وسياسات جادة وعملية، وتبني خيارات تنتصر للسياسة وروح المدنية، وتدعو لمجابهة كل العوامل والأسباب التى تعمل على اطالة أمد الحرب واذكاء الصراع..
 
لكن هذا لا يمكن أن يحدث مالم تتضافر جميع الأحزاب والقوى الوطنية. بحيث يتحمل الجميع المسؤلية، ويتقاسمون الأدوار والمهام، وتبعات الفشل والخذلان.   
 
من المهم الإنتقال، وبصورة متوازنة وذكية، من خطاب الحرب الى خطاب السياسة والسلام، والدعوة الى بناء تحالفات واصطفافات حزبية ومجتمعية، مؤسسة على الإعتراف بالمختلف، المؤتلف، ومناهضة للصراع، وداعية لدولة المواطنة، وللتعايش والشراكة، ونبذ الكراهية وثقافة الثأر.
  
كما أنه من المهم استعادة كل الأدوار التأسيسية، على صعيد الثقافة والتعددية وبناء الديمقراطية، وفتح المساحات المغلقة لسحب الطاقات المكرسة للحرب، ولتفريغها في جبهات بناء الوعي وتجاوز آثار الصراع، عموما.
 
 يدعونا المستقبل، بأكثر مما تدعونا هذه الحرب، بكل مافيها من رايات الماضي وجهالات الحاضر.
 
 لكي نحارب من أجل السلام، علينا أن نحارب الحرب، وعلينا أن نصارع الصراع، لكي  نستعيد الكثير من المواقع التى غادرناها وخسرناها، في الواقع، وداخل العقل والروح. وهذا يقتضي بالضرورة استكمال مهام التحرير.
     
 تدعونا اليمن؛ الى عمل انسحابات باسلة الى جبهات السياسة، واعادة إعمار الوعي، وتشييد الوجدان، وإعادة بناء السواند والروافع المجتمعية والوطنية الحامية.
 
وفي غمرة هذا الصراع الجنوني المقيت، بأشكاله وصوره اللعينة، كلهم ينظرون للإصلاح، ولكل الإحزاب، بمنظورات مختلفة تغيرت تبعا لتغير الواقع..!!
 
  ضربت الحرب كل المواضعات، وفرضت منطقها ولغتها وأسواقها ورجالها وكياناتها وضروراتها وإرهاقها وسخطها..، وصار بوسع مجنون مدجج أن يهدد الفضاء العام كله، وأن  يبدو أضخم مما هو عليه، نتيجة تقزم الدورالعام، وتراجع العقل الجمعي الفاعل..!!
 
الحرب لعنة. والصراع، الذي نخوضه الآن، صراع وجود وبقاء ومصير. صراع وطني صرف، ويجب على الجميع تمَثُّل هذا الصراع، والتعبير عن الحضور ضمن هذا التحدي الوطني الكبير.. وعدم نسيان أن تعز مازالت محاصرة، وأن تحريرها مسؤلية الجميع، وأن عليهم عدم السماح بتحول الخلافات الأدارية، أو التنظيمية، الى معارك داخلية، تستنزف الروح بعيدا عن معركة الخلاص.
 
لاشيء لتتقاسمه الأحزاب في تعز، غير مهام التحرير والفداء والإستعداد للتضحية. وكل  خلاف ينخر الصف المقاوم، ويضعف الروح الباسلة، ويعيد المعركة باتجاه الداخل؛ هو محض خيانة، تستعصي على التبرير..!!
     
الناس يقفون الآن وسط الجحيم، وينتظرون من الأحزاب في تعز، وسواها، مهاما إنقاذية خالصة، ينتظرون حديثا بقدر اليمن، وحجم مأساة اليمنيين. حديثا يؤسس، من جديد، وجودنا غير القابل للتجزئة..
 
نريد حديثا عن اليمن فقط؛ عن الشخصية اليمنية، التى- إن أجدنا تحديدها- سنجدنا داخلها، بكل ما لنا من قوة ووسامة وبهاء، وحضور مؤثر.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر