تكاد تكون القضية الفلسطينية، هي القضية التي تجمع الشعوب المسلمة على ضرورة مناصرتها، والوقوف معها في وجه الاحتلال الصهيوني، في حين لا تحظى قضايا مشابهة في مدن وبلدان إسلامية بنفس الاهتمام، بل يثار الجدل كثيرا حولها ويطال التشكيك المضطهدين الذين يعانون في هذه الأماكن.
 
في المنطقة العربية، فرضت الثورات العربية خريطة جديدة للصراع بين الحق والباطل، فالعدو المباشر فيها لم يكن غربيا بل كان عربيا يتغنى بالشعارات القومية والوحدة العربية والوطن العربي، ولم يكن يهوديا أو مسيحيا أو هندوسيا أو بوذيا، بل كان محسوبا على المسلمين، يستخدم الشعارات الدينية لاستدرار التعاطف، ويستخدم علماء البلاط لتخدير الناس، وتحذيرهم من عواقب الخروج على ولي الأمر، ويستخدم القضايا التحررية، والقضية الفلسطينية، كحواجز خرسانية، تحول بينه وبين إجماع الناس على ضرورة الخلاص منه.
 
وإذا كان حظ قضية فلسطين أن تصبح محل إجماع العرب والمسلمين في عدالتها، فإن هناك قضايا عادلة قوبلت بالإبادة والشيطنة والمكر والتآمر، كما حدث ويحدث مع الثورات العربية، ومع المسلمين الإيجور في الصين، ومسلمي الروهينغا في ميانمار وقضايا أخرى؛ إذ يجري التعامل معها باعتبارها صناعات غربية لتقسيم المنطقة، أو شأن داخلي لدول أخرى يجب عدم التدخل فيه.
 
ما الذي يفرق بنظر بعض القوى والتكتلات والكيانات السياسية، حتى تدين الممارسات الوحشية الصهيونية بحق الفلسطينيين، في حين تؤيد الممارسات الوحشية للنظام في سوريا، والانقلاب الحوثي في اليمن، والنظام الانقلابي في مصر، وتعتبرها دفاعا مشروعا في وجه مؤامرات كونية؟ ما هو المعيار الذي يجعل دم الإنسان في بلد ما أغلى قيمة من دم الإنسان في أي بلد آخر في حين أن هذا يتنافى مع روح الدين الإسلامي الذي يحرم إزهاق النفس بدون سبب شرعي؟
 
كيف لأحزاب اليسار، التي تتغنى بالحرية وتفرط في الحديث عن الإمبريالية الغربية، وضرورة التصدي لجرائمها في أكثر من مكان، أن تؤيد جريمة النظام الشيوعي الصيني في احتجازه أكثر من مليون مسلم في معسكرات اعتقال، وتعتبر ذلك خطوة طبيعية لتمدين هؤلاء وإبعادهم عن التطرف والإرهاب؟
 
في العالم الإسلامي اليوم، ثمة تكتلات واصطفافات سياسية، تتفق في معظمها على تنحية الهوية الإسلامية، واستبدالها بالبعد الوطني المحلي، والبعد القومي، والبعد الفكري، ليترتب على ذلك : الانكفاء على الداخل وخذلان القضايا العادلة باعتبارها لا تدخل في البعد الوطني أو القومي، والاصطفاف مع الطغاة والمستبدين لمجرد الانتماء إلى نفس الخط الفكري أو وجود مشتركات ومصالح في هذا الخط، يصبح معها سيل الجرائم المدرار مبررا ومحل ترحيب!
 
إن الذي يحارب القضايا العادلة في اليمن والعراق وسوريا ومصر، لا يمكن أن ينتصر لعدالة القضية الفلسطينية بحق، والذي يرفع شعار الحرية ويطالب الغرب باحترامها، ويتنكر لها ويؤيد قمعها في بلدان الثورات والبلدان التي تضم أقليات مسلمة، إنما يدفن الحرية باستخدام الحرية نفسها، ومن يؤمن بعدالة قضية ما ويتنكر لقضية عادلة مشابهة، إنما يعيش حياته متناقضا بوجهين، ومن يعش بوجهين يموت باكرا بين الناس ولو عاش ألف سنة.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر