مأساة دبة الغاز


فكرية شحرة

 عادة تبدأ مأساة الغاز المنزلي في اليمن حين تعلن ربة الأسرة أن الاسطوانة فرغت..
 
هذا هو التسلسل الطبيعي للمأساة التي تحدث كل يوم في البيوت، حتى صارت حياة طبيعية تعاش.
 
لكن مأساة "سعيد" بدأت حين تسلم اسطوانة الغاز ممتلئة من عاقل الحارة !!
 
تبخرت من رأسه الأيام، التي ظلت فيها نار الطبخ لا تشتعل لعدم وجود الغاز، وهو في رحلة البحث المضنية عن شخص يستدين منه ثمنه؛ وهو الذي لم يعد يعرف أحد يمكن أن يستدين منه، فقد تراكمت ديونه لكل من يعرف، حتى أولئك الذين لا يملكون سوى المبلغ الذي داينوه يأسوا منه ليأسهم من حال الجميع.
 
تبخرت أيام الانتظار وهو يقبض على ثمن الغاز خشية أن يتبخر حتى يأتي دوره في استلام حصته من عاقل الحارة.
 
تجاوز كل مشكلة ظهرت في انتظار الغاز. لقد بدأت مشكلته الحقيقية حين ناوله العاقل الاسطوانة مع ذلك الظرف المعتاد، والذي طبع عليه أسمه بحروف أنيقة مع رقم هاتفه وبيانات منطقته.
 
تلك التفاصيل التي يتمنى لو اختلفت، كأن يكون أسمه "كريس" أو "شالوم"، أو حتى ذرة رمال في أرض الله الواسعة بعيدا عن هذا الضيق الذي يصنعه الحوثيون في حياة الناس..!
 
تسلم الظرف من يد العاقل بهدوء، وفي لحظة جنون فارقة، من شدة القهر والكبت، امتدت يده لتقطعه نصفين !!
 
وبدأت مأساة "سعيد" الفعلية، كأنما قطع حياته إلى نصفين: سعيد قبل تمزيق الظرف، وسعيد بعد تمزيق الظرف.
 
أو بمعنى أدق قامت قيامة "سعيد" وهو يتطلع إلى وجه العاقل الذي أربد واكفهر، كحياة سعيد، وهو يصيح:
 
- قطعت الظرف حق المجهود الحربي يا سعيد؟!
هذا يعني أنك لا تحترم الجهاد ضد العدوان؟ يعني أنك لا تحترم كلام السيد يا سعيد؛ ترفض توجيهات حفيد رسول الله، وبيت النبوة، وتخرج من ملة المسلمين يا سعيد؟
 
جذبه مرافق العاقل جذبة انفلتت لها اسطوانة الغاز من يده، وتدحرجت بعيدا !!
 
وصوت العاقل يهدر صارخا بقوة:
 
- تخفي نفاقك يا سعيد، وأنت كاره للجهاد وآل البيت الأطهار؟! تُمَزّق ظرف المجهود الحربي الذي يعين رجال الله على الصمود؟!! قال العاقل، وأضاف: خذوه إلى المشرف يرى فيه رأيه هذا العميل المنافق المرتزق !! أمثال هذا يؤخرون النصر ويغضبون الله في الأرض.
 
سعيد وهو يتلوى بين قبضات المرافقين، يسمع صوته الذي انحبس في حلقه يصرخ داخله: الله يلعنك يا سعيد؛ لو وضعت خمسين ريال وما يضر المطعون زيادة طعنة..!
 
ولثلاثة أيام في زنزانة المشرف، توسط فيها كل من يعرف سعيد، متحدثين عن فقره وحالته النفسية وجوع أطفاله، وأنه من أشد المخلصين للسيد ومن محبي الجهاد في سبيله.
 
وبعد تدخلات ورجاءات لتغيير رأي المشرف، الذي يصر أن يذهب سعيد إلى الجهاد كي يعلم معنى المجهود الحربي واهميته، وافق أخيرا على أن يدفع سعيد خمسين ألفا كمجهود حربي ليد المشرف كي يخلي سبيله.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر