لا تجتمع الإرادة الجمعية في قائد جمعي، إلا اذا كان هذا الشخص نموذجا مجسدا ومعبرا عنها، كشخص القائد "عبده نعمان الزريقي"، الذي تجسدت فيه الإرادة الشعبية في مرحلة استثنائية هامة..
 
القائد الشهيد "الزريقي"، اكتملت فيه صفات الروح المعبرة عن إرادة الشعب؛ من تفاني واخلاص وإجماع شعبي؛ ترجم معانيها في القدرة على لمّ الصف، وتجاوز حالة الانقسام- الحالة التي مهدت للانقلاب الحوثي، في 21 سبتمبر 2014، بتواطؤ النظام الأسري الذي جثم على الوطن لعقود..
 
 من منطقته، بالحجرية ومحيطها، بدأ الزريقي بتهئية الجماهير وحشدهم للرفض والمقاومة، مشكلا النواة الأولى لمجاميع المقاومة للمشروع السلالي، بعد أن تمددت ميليشياته الكهنوتية في معظم المحافظات، وصولا إلى مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن..
 
 وفي محاولة منها للسيطرة على مدينة "التربة"، جنوبي غرب محافظة تعز، توجهت حملة عسكرية حوثية لاخضاع المدينة، التي هي بمثابة القلب لمساحة واسعة من "الحجرية"؛ فانطلق الزريقي بمجموعة بسيطة من أسود أرض "المعافر"، لمنازلة فلول العصابة الهمجية، في 24 مارس 2015، ودحرها من المدينة الباسلة، لتكون أول مدينة يمنية تنفض عنها براثن الخرافة والدجل والتخلف، بمجاميع مقاومة منظمة..
 
 لم يكن الزريقي مجرد مقاتل مقاوم، بل محارب محنك، استخدم وسائل وخطط وتكتيكات قتالية لمواجهة محاولات الميليشيات المستميتة للسيطرة على المدينة الاستراتيجية الهامة. إذ حين حاولت قيادة الميليشيات إخضاع "التربة" مرة أخرى، بحملة ثانية أقوى وأشد؛ وجدت نفسها تغرق في كمين محكم في منطقة "المركز"- الواقعة على الخط العام بين مدينة تعز ومدينة التربة..
 
أندحرت الميليشيات السلالية من التربة، مخلفة ورائها العديد من القتلى والجرحى، بفضل حنكة قائد خبير في التنظيم والتخطيط القتالي، عمل على تعزيز قوة المقاومة المسلحة، وزاد من ثقة مقاتليه بقدرتهم على المواجهة والدفاع، في منطقة لم تعرف سوى السلام. ومع ارتفاع وتيرة الرفض الشعبي الواسع للمشروع الأسري السلالي القذر، توالت هزائمهم من التربة إلى كل مكان في أرض الوطن..
 
الزريقي، عبده نعمان، من مواليد عزلة الزّرَّيقة، القبيلة اليمنية العريقة منذ فجر التاريخ، في المعافر، أرض الأسود، التي سطرت المجد الحميري التليد؛ من مرتفعات أفريقيا إلى مرتفعات زاجروس؛ ومن المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي..
 

 "ملأنا البر حتى ضاق عنا ...  وموج البحر نملاؤه سفينا
إذا بلغ الفطام لنا رضيع  ...  تخر له الجبابر ساجدينا" *
 
 هنا حيث تجمع الأجداد ملتقى البحرين، تكون كل القدرات محتشدة؛ من المهندس، والطبيب، والمعلم؛ إلى أرباب التجارة، ونوابغ الأدب والفن؛ إلى قادة الجيوش ورجاله البواسل..
 
 ترعرع الزريقي في مديرية الشمايتين، ليكون معلما يسهم في صناعة مستقبل الأجيال. وهذه المهنة- في أرض تنجب العلماء والمثقفين منذ عصور- تقتضي معلمين استثنائين من طراز عبده نعمان الزريقي..
 
 وبعودة الكهنوت الأمامي البائد، تحتم على الزريقي أن يضع "طبشور" المعلم جانبا، ليحمل البندقية ذودا عن حياض الوطن، ولحماية مستقبل الأجيال من لصوص التاريخ، وسدنة الزيف والجهالة..
 
 ولأن العلم والتعليم هو عدوهم الأول، فكيف لمعلم مثل الزريقي أن يخذل الأجيال، ويتخلى عنهم في هذه المرحلة الاستثنائية العصيبة..؟ مثله مثل بقية زملائه الذين تحولوا من معلمين إلى قادة مجتمع، في تنظيم وتخطيط وقيادة مجاميع المقاومة الشعبية. من جبال الحجرية، إلى مدينة تعز، شكل المعلم حائط الصد المنيع في وجه جحافل الميليشيات الانقلابية، وأفشل جهودها الرامية لاعادة عجلة التاريخ إلى الوراء..
 
لم يكن العقيد عبده نعمان الزريقي، معلما، صانعا للأجيال فحسب؛ بل مدرسة كاملة في الأخلاق والنُبل؛ كما هو مثالا للشجاعة والشهامة والعزة والشرف. وحيث يجمع الكثير من أبناء عزلته ومديريته عليه في كثير من الخصال والسجايا، فقد كان- إلى جانب ذلك كله- قائدا مجتمعيا أسهم في حل الكثير من الخلافات والنزاعات؛ من الصبيحة إلى التربة، إلى دبع، إلى بني شيبة..الخ
 
 وكان لهذا العامل الاجتماعي دورا حاسما في ظهوره كقائد للمقاومة الشعبية في قلب الحجرية، ليسهم بكل فاعلية في الانتصار لقضية شعبه ووطنه.. القضية العادلة التي أرخص في سبيلها روحه الثمينة..
 
 انها صراع ارادتين: إرادة الشعب اليمني كله، في وجه إرادة الكاهن الفرد المستبد، المتسلح بالخرافة وادعاء التأييد الإلهي في الحكم، متلبسا بادعاء النقاء العرقي ليصادر الأرض والإنسان، وباسم الماضي البغيض، يسرق الحاضر والمستقبل..!!
 
 وإلى جانب إرادة الشعب، إنحازت إرادة القائد الشهيد، فكان قدره الذي خطه بإرادته تلك: أن يفتدي اليمن أرضا وانسانا، في مسار الحياة خلودا..
 
في معركة تحبس الأنفاس، على مرتفعات الأحكوم الشاهقة، المطلة على عدة مديريات؛ من المقاطرة، والشمايتين، والمواسط؛ إلى جبال سامع، والصلو، والقبيطة؛ منطلقا من موقع إلى آخر، مسقطا القمم، قمة تلو أخرى؛ وصولا إلى قرية "القواعدة" حيث ترجل البطل عبده نعمان الزريقي شهيدا، لتشتعل البلاد بسهولها وجبالها بركان نار لاينطفى أوارها، ولا تستكين أنفاسها، ليتخلق مئات، بل الآف، المقاتلين الفدائيىن بروح الزريقي البطل.
 
------------------
* من المعلقة الخامسة/ معلقة "عمرو بن كلثوم"
 

مشاركة الصفحة:

اقراء أيضاً

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر