خالي والعصفور العنيد


نور ناجي

"يولد الإبداع من رحم المعاناة!" طالما أشعرتني هذه العبارة بالغيظ. ألا يروق للجمال أن يُخلق حتى ينزع بعض من روح الإنسان؟!..
 
مرّ بي ذلك التساؤل وأنا انظر الى كف "خالي مسعد" المتشققة وجسده الرفيع إثر عمله في الفلاحة.
 
يمكننا تصنيفه في مقياس الكد والتعب بالأكثر معاناة وربما الأقل حظاً..
دورة حياة شاقة تبتدئ منذ اعلام الفجر الأولى حتى لحظة تفقده النجوم فوق حقله، إلا أن ذلك لم يجلب له قلق العباقرة وهموم المبدعين المفترض بهم إنتاج "نجاح" بالمقاييس المتعارف عليها!..
 
رغم ذلك ما زال "خالي" أكثرنا تفاؤلاً وبهجة. لا يكاد ينتهي من وصف مذاق قطرة المطر حين تسقط على بشرته، حتى يقوم بتوقع كمية حصاده المقبل وما سيحقق من خلاله، دون أن يفقده تأجيل احلامه شغف انتظار موسم بعد آخر..
 
"كل الهموم هينة، وتأخذ وقتها سريعاً"، يقول ذلك وهو يبحث عن الطرفة والفكاهة بين جنبات يومه، وفي حال لم يجد مبتغاه يبدأ بسرد قصص واحداث مرت به وكأنها مغامرات سندباد. مازلت أتذكر يومياته مع العصفور العاشق، آخر القصص التي التقطتها منه.
 
كان العصفور قد اتخذ مقراً لعشه بين اغصان شجرة "العِلب" في "الجِربة" بعد تنقل لم يأخذ وقتاً طويلا بين اغصان العديد من الأشجار القريبة. مرت الساعات "وخالي" يراقب تأكد المقيم الجديد من سلامة بنائه ووضعه اللمسات الأخيرة عليه، قبل أن يطير ويذهب لاستدعائها..
 
"لعله لم يبن العش من الأساس إلا بعد اعجابه بها!"، قال خالي وهو يصف الشريكة المرتقبة تحوم فوق العش والعصفور برفقتها مأخوذ بها دون أن يتمكن من اخفاء توتره وشعوره بالقلق إزاء ردة فعلها!..
 
للأسف كان حدس العصفور صحيحاً، فما أن حلقت رفيقته حول الغصن بعض الوقت حتى ادارت رقبتها وطارت مبتعدة عنه وعن قشه!..
 
لا بّد وان قلب الطائر الصغير تكسر، على أقل تقدير سيشعر بخيبة أمل تطول أو تقصر حسب تعلقه بالمتكبرة ذات الجناحين. قلت بعد ان أخذ خالي يصف لي حال العصفور الذي راح ينزع القش واخذ يلقيه أرضاً!..
 
لعل الخيبة جعلته يدمر بقية احلامه، وربما فقد الأمل في إيجاد عصفورة تقبل بامكانياته! تسائلت، ليجيب خالي: "اعتقدت ذلك في البدء، إلا أن الرحلات المكوكية التي أخذ الطائر يقوم بها انبأتني بأنه يعيد بناء العش مجدداً"..
 
يبدو أن رقة اجساد العصافير لا تتحمل الخيبات طويلاً، فلم يأخذ العصفور المثابر وقتاً بعد انتهائه من بناء العش حتى عاد لاستدعاء عروس جديدة..
 
"ماذا؟!، كانت ذات العصفورة، هل أنت واثق؟!"، تفاجأت من تأكيد خالي ومن قدرته على تمييز عصافيره عن بقية الطيور. يبدو أن الصبر الذي تمنحه مهنة الزراعة للفلاح موازية لما تمنحه من دقة الملاحظة..
 
عدت سريعاً للتفكير في عصفورنا، هل رفضت  عزة نفسه الهزيمة ومنحته عزماً لاجراء المزيد من التعديلات؟!، أم انه كان عاشق حقيقي وسيبذل الرخيص والغالي من خشاش الأرض لارضاء مدللته؟!..
 
على أي حال، كان طائرنا متسامح لدرجة لم اتوقعها، لا أدري إن اسعدني تصرفه أو أثار غيرتي!..
 
على الأغلب أنه منحها بعض الاعذار، ربما كانت مساحة العش ضيقة فعلاً، أو أن خامة البناء لم تناسب طموحات عروسه، تبدو متطلبات الأنثى صعبة إلا أن "العصافير" - على ما يبدو- مازالت تحترمها وترى فيها حكمة لا ينبغي تجاهلها.
 
اعددت نفسي لسماع نهاية سعيدة، إلا أن ضحكات "خالي" ملأت المكان وهو يشرح لي الاحباط الذي أصابه شخصياً من رفض العروس للمرة الثانية عرض طائرنا العاشق!..
 
زممت شفتي تعاطفاً مع المسكين، لو كان بمقدوري لحظتها لعقدت قرانه على مائة من العصافير، أجمل ريشاً وأرق نغماً، لكن عصفورنا راغب إلا في من يعذبه، ويجبره على اعادة بناء عشه للمرة الثالثة، ليصبح أكثر الاعشاش في المنطقة اتساعاً وقوة!...
 
زفرت بإرتياح مماثل لزفرات العصفور السعيد بعد أن سمع الزقزفة الموافقة، كان لاصطياده بعض الديدان يد في ذلك الرضى. لفتة ذكية منحت انثاه الكثير من الاطمئنان.
 
نجح عصفورنا ووصل  لمبتغاه، استقر مع عصفورته في عشهما الجديد، ومازال زوج العصافير يروح ويغدو دون أن يتوقف"خالي" عن تحيته كل صباح..
 
امسكت يدي عن محاولة افساد قصة العصافير بالبحث عن معلومات علمية تؤكد أو تنفي حقيقة ما جرى على الشجرة، واكتفيت باللمعان البديع الذي اضاء عيني خالي، ونبهني لمدى التشابه بينه وبين العصفور..
 
هل كان خالي يسرد قصة الطائر الصغير حقاً أم أنه- دون وعي- سرد بعض من حكايته؟!، ألم يكن سعي العصفور الحثيث لبناء عشه شبيهاً برحلة خالي اليومية إلى حقله ومعاناته مع أرض قاسية سريعة الجفاء لا تلين حتى تلقى منه الكثير من الدلال والغنج..
 
نسقط، دون أن نشعر، الكثير منا على ما حولنا ليصبح نسخ قريبة منا.
 
يحدث أن تحصرنا فكرة النجاح في الحياة بقوالب معدة سلفاً، اتقان صاغ غيرنا قوانين نجاحه وفشله، وكأن الإبداع بمقاييسه المتداولة ليس سوى "مكافأة نهاية خدمة" نلهث ورأها دون أن ننتبه بأن تصالحنا المتجدد مع الحياة وبحثنا عن تفاصيل مميزة فيها هو ما يمنحنا حياة حقيقية!..
 
حياة لا نهلكها في استعجال انجازات مؤجلة ومشروطة، بل نتناولها على مهل ونلتقط نجاحاتها عبر التمتع بتفاصيل صغيرة قد لا تلتقطها الغالبية. قلة فقط من تنال مكافأة التمتع بمراقبة العصافير وهي تبني اعشاشها.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر