عوالم موازية


نور ناجي

يؤكد الكثير من علماء الآثار بأن المجهود الذي بذله الانسان البدائي للبحث عن ألوان ثابته وأدوات لنحت الصخور، كانت الوسيلة المتاحة لديه لاثبات وجوده، تخليد حياة كان يعيشها لأجيال ستلحقه، وكأنه يهتف بنا عبر آثاره: "كنت هنا يوماً، وحدود كفي دليل على ذلك"..
 
قد يكون تعميم تلك النظرية مبالغ بعض الشيء. على الأقل بالنسبة للبسطاء الذين لم يطمحوا للخلود، ورغم ذلك تجدهم قد استقطعوا جزءا هائلا من جهدهم لنسخ عملية مطاردة هنا، أو نقش مجهول هناك..
 
لماذا كل ذلك الإهدار؟! لا بّد وأن هناك أسباب أكثر اقناعاً وشمولية من مخاطبة مستقبل لن يعنيهم بعد سنوات..
 
يحدث أن تحمل الأجوبة إلا أنك لا تملك القدرة على تفسيرها!..
 
ألم يسترعي انتباهك، يوماً ما، ملامح طفل تمكن أخيراً من الإمساك بقلمه، تجاهله ما حوله وهو يحاول السيطرة على الخطوط التي يضعها؟! لم يسعى ذلك الطفل للاتقان والإبداع بقدر محاولته قول شيء ما، شعور خفي وجد أن نقله عبر الأوراق قد يكون وسيلة لحل غموضه!..
 
طالما كان تمرير القلم حول أكفنا هو "لوحتنا الأولى"، كما كانت انجاز "مجهول ما"، طبع أصابع كفه على جدار كهف منسي قبل آلاف السنين!..
 
لا أعتقد أن الإنسان قصد بكامل وعيه عبادة الأحجار لحظة ضرب ازميله عليها. على الأغلب أن الأمر نتج لاحقاً بعد وضعه جزء لا يستهان من مشاعره عليها. الأمر الذي قد تستشعره لحظة استيقاف إحدى القطع الفنية لك. لا تفصح القطع الفنية، على الاغلب، عن معناها بوضوح؛ إلا أنها تملك القدرة على مخاطبة الجزء الأكثر غموضاً فيك..
 
ما أن يقترب المساء حتى نقبض على شاشات هواتفنا، لا يهم حقاً ما نبحث عنه، مقال هنا أو نغمة تنتظر سماعها هناك؛ إلا أننا لا نتوقف حتى يغلبنا النعاس. يرى البعض في ذلك حالة من الانطواء والعزلة، لكننا في الحقيقة نمارس عادات اسلافنا بحذافيرها..
 
فلم تختلف مساءاتنا كثيراً عن أخرى مرت قبل الآف السنين. لك أن تعود للخلف حتى تجدهم ملتفين بصمت حول النار التي انضجت طعامهم، بعد أن اقنعتهم مفرداتهم القليلة بأن الإنصات إلى نغمة عود القصب المجوف أكثر جدوى من الثرثرة..
لم يقل عازف الناي الأول الكثير، لكن نغماته وصفت مشاعر الجميع..
 
لا فائدة للفنون من الناحية العملية، فلم تزدد حضارة أمة بسبب لوحة مبهرة أو لحن بديع، إلا أن الانسان لم يتوقف مطلقاً عن تحقيق ذاته أو خيباته عليها. مازال ينحت الصخر ويبتكر الألوان ويغني دون توقف وكأنه يلاحق مجهول مختبئ فيه!..
 
على الرغم مما قد تمنحه الحياة، إلا أن المرء فينا يعاني من حيرة ما، غربة نقية لا سبيل لخلاص منها أو فهمها. لعلنا لا ننتمي لهذه الأرض، وليس الحنين الذي يرافقنا سوى استدعاء لعوالم موازية تناسب تطلعاتنا ورغباتنا. وربما كان العكس صحيحاً، وليست الوحشة التي تسكننا سوى حنين لماض فقدنا احداثه إلا من وجوب اللحاق به..
 
قد تساعدنا ضربات فرشاة، أزميل، أو ربما لحن جميل على إيجاد ثغرة أو "ممر مختصر" إليه..

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر