عالم "القرية الصغيرة"


فكرية شحرة

  ونحن صغارا، كنا نسمع أن العالم أصبح قرية صغيرة، ويذهب تفكيرنا إلى اختراع وسائل الإعلام المقروءة، والمشاهدة والمسموعة، وانتشارها وسرعتها في نقل الأخبار..
 
كنا نظن أن معرفتنا بما يحدث في مدينة بعيدة، في قارة بعيدة، هو تطبيق لمعنى هذه الجملة..!
 
قد لا تتعدى معرفتنا بنشوب حرائق في غابات، أو هطول أمطار، أو حتى اندلاع ثورة، أو موت شخصية كبيرة..
 
وكنا نظن أن وسائل المواصلات الحديثة، كالطيران والقطارات السريعة، هو الذي يجعل العالم قرية صغيرة..!
 
كان هذا، قبل انتشار خدمة الانترنت على هذا النطاق المهول، بتطبيقاته المتعددة ووسائل التواصل فيه، ليصبح العالم "قرية صغيرة" فعلا، بسبب تفاعل النخب مع كل حدث كبير يظهر في الساحة العالمية.
 
وقد يكون أحيانا حدثا تافها، لكنه يجد له متفاعلين في أوساط مجتمعات الانترنت، ليعلم به القاصي والداني.
 
ورغم تميز البشر بحالة السأم، من الاعتياد، إلا أن السأم والملل لا يطال عالم الانترنت، أو تطبيق الفيس بوك مثلا، بل صار عادة واجبة، ليس من باب الإدمان- فليس هناك شيء اسمه إدمان في العلاقات والتفاعلات الاجتماعية، فهي أمور حياتية ضرورية- بل من باب الضرورة الملحة، والحاجة التي لا بد منها للعيش ومعرفة ماذا يحدث حولنا؟
 
لقد أحدثت مواقع التواصل تغييرات هائلة في حياتنا، وطرق تعاطينا للأحداث، وحتى في أسلوب معيشتنا، بعد أن أصبح كل شيء متاح عبر الانترنت، حتى المأكل والملبس..
 
أصبح الناس، عبر مجتمعات الانترنت، يشاركون في صناعة الحدث، إن لم يصنعونه بأنفسهم. وظهر تكتل التحالفات، على نطاق واسع، واضحا في ردود الأفعال حول حدث صغير قد لا يضيف لحياة الشخص الخاصة، أو بلده، شيئا؛ إنما يعزز التكتل العالمي الذي ينتمي إليه.
 
حدث صغير يفرز الناس، في لحظات، إلى مؤيدين ومنكرين، ويتفق عليه- أو يختلف- الملايين الذين يجمعهم ذات الفكر، والهدف، والإحساس بالولاء والمشاركة.
 
يتشكل العالم الافتراضي على مدار اللحظ،ة لتسقط حواجز، وتظهر غيرها، كقرية صغيرة تواكب الزمن. كما تتشكل مجتمعات جديدة، لم يكن لها أن تظهر، لولا هذا العالم الافتراضي.
 
وسواء كانت مجتمعات سوية، أو العكس، إلا أن هذا العالم الافتراضي أتاح لها الظهور، والجهر بما تؤمن- وما لا تؤمن- به.
 
والذي لا شك فيه، أن هناك حروب وعي، تشتعل جبهاتها، أيضا، بين هذه المجتمعات المختلفة.
 
تسقط خصوصية الأحداث بين الدول، ويصبح النقاش حولها حقا للرأي العام، وتبقى الحدود وتأشيرات الدخول، مانعا لا يسقط أبدا، بل يعزز بمزيد من الحذر..!
 
فهذا الانفتاح المعلوماتي، وتبادل الخبر والرأي، قد يفسد العلاقات- في الواقع- بين الدول نفسها.
 
العالم "قرية صغيرة" لمجتمعات الإنترنت الافتراضية، أما تأشيرة الدخول، المحددة زمنيا، فلا علاقة لها بالعوالم الافتراضية..
 
فهل سيأتي يوم تشكل فيه المجتمعات الافتراضية حكومات الدول التي تسقط الحدود الواقعية؟!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر