الزيدية.. مذهب أم فكرة؟


نور ناجي

  مازال البعض يردد- وإن على استحياء- بأن المذهب الزيدي أقرب المذاهب الشيعية الى أهل السنة، لولا السمعة التي نالته بسبب تصرفات الميليشيا!..
 
"لمَ لا؟!"، تقول ذلك، مدركاً أن المطامع السياسية تجبر أصحاب المذاهب والمِلل- أحياناً- على توسيع معتقداتهم أو تضييقها في سبيل إرضاء ولي الأمر، وقد يكون البحث الجاد عن أصول المذهب الزيدي هو الطريقة الوحيدة لتبرئته!..
 
يعرف المذهب لغوياً بالطريقة، أو المقصد ووجهة النظر. بينما يشير اصطلاحه الفقهي إلى الإتجاه في فهم الشريعة، والمنهج في استنباط أحكامها التي تمس حياة المسلم من خلال الأدلة الواردة في القرآن والسنة، ودون الخروج عن قواعد وأصول فقهية محددة.. فهل انطبقت شروط المذهب الفقهي على الزيدية؟!..
 
ظهر الفكر الزيدي بعد دعوة زيد بن علي بن الحسين للخروج على الخليفة الأموي "هشام ابن عبد الملك"، قبل أن يفشل. إلا أن دعوته لاقت صدى في كل من نجد وشمال أفريقيا والمناطق المحيطة ببحر قزوين، كما استقرت في شمال اليمن، واتخذت منذ نشأتها تسميات مختلفة، اطلقت على الأغلب باسماء ناقليها: "سالمية، ناصرية، جارودية، هادوية"، وغيرها من الفرق..
 
على الأغلب، أن الزيدية لم تستشعر حاجتها لفقة خاص، مع استمرار التقاطها لأفكار المعتزلة والمذهب الحنفي، عدى القاعدة الأساسية للزيدية والتي تمحورت حول "الخروج عن الحاكم الظالم"، والتي انكب عليها فقائها، بحثاً وتمحيصاً لتجيز حكم عدة أئمة في ذات الوقت، رغم ما قد ينتج عن ذلك من حروب واقتتال!..
 
ربما وجدت "الزيدية" في الأمام العادل ما يغني عن بقية فروع الفقه، لذلك طالبت الساعي اليها "بالعلم والفضل، الشجاعة، السخاء، الورع، وجودة الرأي والعدالة.. " قبل أن تتأكد من سلامة أطراف وحواشي الإمام "الفاطمي الجديد"، الذي يجب أن يسبق منافسيه للمبايعة!!..
 
كان لا بدّ من ذلك السبق المحموم، مع مطاطية الشروط السابقة، تبقى الأفضلية للأكثر سرعة وحركة- الشرط الذي لم تنسى الزيدية اضافته!..
 
يمكننا القول بأن المذهب الزيدي خصص نفسه لتهيئة الأئمة، أكثر من انشغاله بتنظيم حياة الفرد وشؤونه. وقد تلقت مناطق شمال اليمن الكثير من التأنيب بسبب تمسكها بمذهب هزيل لم يسبب للأرض التي تعلقت بها سوى الخراب وتكرار الحروب!!..
 
تهمة قد يراها البعض جائرة، فلم تتلاشى الزيدية في المناطق الأخرى إلا بسبب تشيع أصحابها الصريح، أو مواجهتها بقوة فرضت نفوذها على عدم منطقية المذهب "المختص بقيام الفتن"، ولم يكن استثناء اليمن من تلك القاعدة إلا بسبب ظروف خاصة هيأت للزيدية اسباب البقاء..
 
كانت الجغرافيا سبباً رئيسياً لاستقرار الأئمة في اليمن، فابتعاد أرضها عن مراكز الخلافات الإسلامية جعلها قبلة الهاربين الذين رحب اليمني باستقبالهم، نكاية بتجاهل الخلافات لمظالمه قبل أن يثور حالما شعر بالجور الذي وقع عليه، وللامتيازات التي ظهرت تباعاً واختصت فئة بعينها مستثنية اياه.. 
 
لتدور المعركة سجالاً بين اليمني والفكر الزيدي الذي استخدم اسحلته الشهيرة: "التجويع، والتجهيل، ونشر الدسائس والفتن بين أعدائه"، حتى أعادت الجغرافيا لعبتها وحولت اليمن من منطقة مهجورة إلى مطمع خارجي..
 
تدخل الأئمة بشكل مباشر، أو غير مباشر، باستدعاء تلك التدخلات، واستغلوا لاحقاً حالة عدم إستقرار الأرض، ليرتدوا ثياب الوطنية ويعودوا بقوة للواجهة السياسية بحجة محاربتهم المحتل برفقة اليمني!..
 
من الجائر إطلاق لفظ المذهب على الزيدية. مازالت منذ نشأتها الاولى "فكرة ثورية"، تبناها زيد بن زين العابدين ضد مظلومية معينة، قبل أن يقتات عليها الكثير.

لعلها أمست في اليمن إشارة لمنطقة جغرافية أكثر من كونها مذهب معمول به، فلن تجد- أيام السلم- فوارق حقيقية بين زيدي ويمني، أيً كان مذهبه، إلا من "سربلة وضم"، أو تغيير طفيف في عبارات الأذان حتى تصحو "الفكرة" مجدداً على يد طلاب السلطة وامتيازاتها الخاصة..

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر