خلال سنوات الحرب اليمنية، ثمة أحداث وجرائم أحدثت هزة في أوساط اليمنيين، وأثارت تفاعلا شعبيا وغضبا رسميا، لكن سرعان ما تنتهي دون رد فعل رادع على الأرض يتناسب وحجم الجريمة أو الحدث. 
 
الأسبوع الماضي، سرّب الحوثيون مشروع وثيقة، تمنحهم بدون وجه حق التصرف في 20% من ثروات البلاد وأموال اليمنيين،  تحت مسمى قانون الزكاة، وحظيت الوثيقة، بتفاعل شعبي ورسمي، مناهض للوثيقة العنصرية التي تدعو لفرز المواطنين على أساس عنصري، وتعكس بطبيعة الحال مدى فاعلية الفكر الشيعي الإثناعشري في الميليشيا الحوثية، التي تزعم انتمائها المذهبي للزيدية.
 
منطقيا، فإن أهمية ما كشفته الوثيقة الحوثية، ليس في أنها تشكّل دليلا على لصوصية العصابة الحوثية، وليس في أنها تشرّع لقانون عنصري، فلصوصيتها وابتلاعها للدولة ومقدراتها يعود إلى 2014، أي قبل صدور هذه الوثيقة بقرابة ست سنوات، كما أن عنصريتها ليست أمرا جديدا، إذ إن فكرها وممارساتها مليئان بالشواهد العنصرية التي تكنها العصابة، لغير المنتمين إلى سلالتها التي تزعم أنها تمتد إلى آل بيت النبوة.
 
لكن الأهمية -من وجهة نظري- تكمن في البعد العقائدي الذي تنتهجه العصابة الحوثية، وتحوّلها إلى جماعة شيعية إثناعشرية بنفَس يمني، لا تختلف عن نظيراتها في العراق ولبنان، والتي ترى في "الخمس" ركنا أساسيا في المذهب، وتجعل الصراع الطائفي أساسا لمعاركها. وهذه رسالة لمن يختزل الصراع بالبعد السياسي، الذي يمكن حلّه عبر طاولة التفاوض، ويتجاهل البعد العقائدي والفكري الذي يعتز به الحوثيون في معركتهم لفرض سيطرتهم على الأرض والإنسان.
 
من المؤكد أن الرفض الشعبي والرسمي على وثيقة الحوثيين، لن يغيّر من الأمر شيئا، وأقصى ما يمكنه فعله، هو توثيق جريمة جديدة، تضاف إلى سجل جرائم الحوثيين، والضغط على المنظمات الحقوقية لإصدار بيان إدانة، ومن ثم تنتهي القصة عند هذا الحد، ويستمر مسلسل الجرائم المنظمة.
 
مسرحا كبيرا لجرائم كبرى، هكذا يمكن وصف الجغرافيا اليمنية، بعد اتساع رقعة الجرائم المنظمة بتعدد الفاعلين؛ الأذرع الإيرانية في الشمال، والأذرع الإماراتية السعودية في المناطق الجنوبية والشرقية والغربية، مع غياب حالة الردع والضبط التي يمكن أن تشكّل حاجزا أمام تكرار الجرائم سواء كانت  بحق المواطن، أو بحق البلد ككل.
 
ارتكبت الإمارات جرائم بحق البلد والشعب، وقوبلت هذه الجرائم بغضب شعبي واسع، وموقف رسمي خجول لم يرق إلى مستوى الجرائم، وكانت النتيجة أن واصلت الأذرع الإماراتية جرائمها، في ظل غياب الردع العسكري الذي يمكن أن يحول دون ارتكاب المزيد من الجرائم المنظمة سواء كانت عسكرية أو سياسية.
 
ما لم يكن هناك رغبة حقيقية بتحرير الأرض واستعادة كيان الدولة، فلن يكون هناك ما يمنع الحوثيين وغيرهم من الأطراف من ارتكاب المزيد من الجرائم، طالما وأن ردود الفعل لا ترقى إلى أبعد من الكلام.
 
إن لغة السياسة لم تعد مجدية في مواجهة الصلف والجرائم التي تعصف باليمن، وإن كانت هذه اللغة تناسب عامة الناس الذين لا يملكون سلاحا إلا سلاح الكلمة، أما الدولة إن كان لا يزال هناك ضمير ينبض فيها، فهي مطالبة بمواقف عسكرية صارمة، تتناسب وحالة الحرب التي يصطلي المواطنون بنارها منذ ما يزيد على خمس سنوات.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر