الحياة هذه الأيام


سلمان الحميدي


 كنا في فرح عندما جاء النبأ الحزين، وفي لحظات انتقلت مشاعرنا من العرس إلى الموت. هذه هي الحياة باختصار في هذه الأيام. حدث ذلك بالأمس، بعد العصر تحديداً، عندما جاء خبر موت محمد، وهو أحد الأقارب المغتربين في الرياض، بينما كنا نحتفل بعرس أحد الأقارب في تعز.
 
كان نبأ موت محمد الفاتح مرعباً، ليس محمد فاتح إسطنبول، وإنما محمد قائد قاسم الذي غلب على اسمه لقب الفاتح، هو بن خال أمي، كما أنه جارنا، بيننا وبينه طريق الإسفلت، وبالطبع، ليس هذا ما يدعونا للحزن فقط، ولكن طباع محمد ومواقفه المخلقة مع الكبير والصغير هي التي جعلت الحزن يعم الوجوه، وللعلم؛ هو من أسرة مبدؤها الوقوف مع الناس دون اعتبار لمن يضطهد الناس.
 
أذكر موقفاً لا يبارح ذاكرتي، حدث في 2011، عندما تأزم الوضع بين الثوار والمؤسسة العسكرية التابعة لعلي صالح، وحدث أن بعض المحسوبين على الثورة شرعوا بنهب السيارات العسكرية، وبعض المدسوسين قاموا بمثل هذه الأعمال داخل المدينة.
 
في إحدى الأيام خرجت سيارة إسعاف تحمل ميتاً، مرت في الصباح، وقبل الظهيرة كنا نسمع أصوات رصاص تقترب شيئا فشيئا، تبين بعدها أن سيارة هايلوكس عليها مسلحون يقومون بملاحقة سيارة الإسعاف الحكومية، أدرك سائق الإسعاف أنهم سيتبعونه، أوقف السيارة في الطريق قرب منزل الفاتح وفر هارباً، كان الفاتح قد خرج من منزله بفانيلته الداخلية، انطلق إلى الطريق وكان يؤشر للسائق أن يعود، قفز المسلحون لينهبوا السيارة، الفاتح الذي كان أعزلاً، واجههم بصوته الجهوري، أوقفهم عند حدهم، وصفهم بالبلاطجة وقطاع الطرق، لم يأبه بأسلحتهم، كانوا يرفعون أصواتهم عليه لكنه غلبهم، كان سائق الإسعاف الذي قال إنه من ذمار، يختضل ويحاول تهدئة الفاتح، نحن أيضاً كنا نخشى من طيش المسلحين، كنا نستند على صوت الحق المنبعث من حنجرة الفاتح الذي اتصل بشقيقه الكبير شداد فجاء من الوادي بوجه غضوب وقاد سيارة الإسعاف بعيدا وعلّم سائق الإسعاف بالطرق المختلفة، وأكثرها أمناً.. هذا ما يجب عليه أن تكون أخلاق الثورة، هذا ما يجب أن تكون عليه أخلاق الناس.
 
عندما عرست، في 2013 اتصل بي، بالرغم من أنه في الغربة إلا أنه يبدي اعتذاره من عدم تمكنه حضور العرس، يعدد خدماته، ويسأل: أمانة مو تحتاج؟ المهم مش قادرين نقوم بالواجب، لكن البيت جاهز من وإلى.. البيت بيتك.
 
عندما استشهد أخي محمد في 2016، اتصل بي، يعزيني، ويؤكد أنه اتصل بأقاربه وجهزوا البيت.
 
ومنذ اندلاع الحرب، كان الفاتح سند الكثير، من بينهم عائلته، يمول أخاه لفتح دكان، يدعم ابن أخته في عرسه، يتفقد أحوال المقربين..
 
قبل سنة تقريباً، استقبل أمه وشقيقته في السعودية، كزيارة بحكم أنه قد أخذ زوجته وأولاده وسكن هناك، مهد الطريق لزيارة بيت الله الحرام وزيارة بعض الأقارب والعوائل المغتربة، وعندما قررت أمه العودة أعادها إلى القرية، وجلسنا معه ليذكرنا بمواقف وحكايا..
 
وبالأمس، وبينما كنا في فرح، جاء الحزن الكبير، الفاتح مات.
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر