طالما كانت إمرأة العزيز صورة للمرأة اللعوب في الأذهان، المرأة صاحبة الدهاء التي حاولت اغواء سيدنا يوسف وتمادت في أذاه حتى كانت السبب لنسيانه في سجن بائس، لتبقى وبنات جنسها على مر التاريخ متهمات "بالكيد" مهما حاولنّ الإنكار!!..
 
لكن لماذا الإنكار؟!، فاستخدام تلك التهمة يمنح المرأة أحيانا مهابة تحتاجها!..
 
تعتمد الطريقة التقليدية في سرد أي حكاية على وجود طرفان أحدهما شرير والآخر طيب. يمكننا وضع زوجة العزيز "طرف شرير" في قصة سيدنا يوسف، إلا أنها لم تكن "الشرير" الوحيد، فقد بدأت العداوات تحيط بالنبي مبكراً ومن أقرب الناس إليه، حتى أن والده حذره من غدر إخوته لمجرد سرده حلم مبهم: "قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ!"..
 
شعر سيدنا يعقوب بالضغينة التي يحملها أبناؤه على أخيهم، إلا أنه- شفقة بنفسه وبهم- أختار إلقاء تبعات مشاعرهم على الشيطان. يتواجد الشيطان دائماً، لكن هل جعله ذلك التواجد مخططاً رئيسياً لجريمة إخوة يوسف؟ أم كانت هناك أياد خفية أخرى: "قَالُوا يٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلٰى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنٰصِحُونَ"..
 
على الأغلب، أن المشاعر التي تتفلت من لسان المرء في لحظات غضبه الأولى تكون الأصدق- رغم مبالغتها أحياناً. تمنى أخوه يوسف "قتلة" سريعة لاخيهم، قبل أن يحجمها العقل والدم المشترك والمبادىء التي تشربوها عبر والدهم، لذلك تراجعت العصبة- رغم قدرتها- عن القتل، وتدرجوا نزولاً في أنواع العقاب المستحق "لاخيهم"، حتى وجدوا أن قضاءه عبداً بقية عمره سيكون مناسباً!..
 
لا تدري في حقيقة الأمر أي العقابين كان الأشد سوءا: "قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيٰبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ"..
 
لا أعرف كيف تم اقتياد يوسف إلى مصيره، غير أني على ثقة بأن ابتسامة كاذبة هي ما رسمت على وجه الفاعل، على عكس الملامح التي استقبلت بها امرأة العزيز زوجها وهو يقدم لها الفتى المرتجف من قضاءه أيام أو أسابيع متنقلاً في أسواق العبيد: "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"..
 
تمر السنوات وتتخذ القصة مسارا مختلفا، على الأغلب أن امرأة العزيز عاشت صراعا صامتا طويلا حين اتخذت مشاعرها مساراً مختلفاً لم تكن تتمناه وربما رفضته فطرتها كثيراً قبل أن تعترف لنفسها بأنها تعشق الشاب..
 
ليس المظهر الحسن، بالضرورة، اغراء كاف ليهز مبادىء وقناعات المرء، حتى يضاف إليه الحكمة والعلم الذي اُختص به النبي يوسف عن غيره من أقران، لتستسلم المرأة في النهاية وتكشف عن ما يراودها: "وَرٰوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ الظّٰلِمُونَ"..
 
استند إخوة يوسف على مبررات كاذبة وتخطيط مسبق لإخفاء مشاعرهم ومخططاتهم الحقيقية، فحيناً كانت استمالته أبيهم سبباً لإبعاد يوسف، وحينا كانت العصبة القوية التي يمثلونها مبررا مناسباً، على عكس امرأة العزيز التي نقصتها المبررات!!..
 
على الأرجح أنها لم تأخذ وقتاً في التخطيط أو التدبير، ومالت تصرفاتها إلى العشوائية والتهور منذ لحظة اعترافها للحظة اختيارها موقع الجريمة! فلم تلبس المرأة قناعاً زائفاً وهي تقتاد يوسف إلى مكان منعزل، ولم تستند إلى اكاذيب لإقناعه بما تريد!..
 
غلقت المرأة الأبواب في مكان سهل الانكشاف والتوقع، واختارت أن تكون صريحة وصادقة وباحت بمشاعرها. لعل ذلك الصدق هو ما أدى إلى استسلام يوسف، فكما كان الشاب قوياً وصادقاً لحظة رفضه الأولى، تراخى بعض الشئ كما ذكرت الآية لاحقاً: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ"..
 
لا تبقى المشاعر على حالها حين تضاف إليها معطيات الوقت والظرف، وصدق قلب عاشق!..
 
تجاوز يوسف ذلك التحدي برفضه جملة وتفصيلاً مع العروض المشابهة التي أخذت تتوالى عليه، والتي لم تحمل ذات الصدق الذي كاد أن يؤدي به. أدرك النبي أن استسلام مجدد سيكلفه انتزاع إرادته الحرة، ليفضل السجن عن الفوضى التي أحاطت به: "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجٰهِلِينَ"..
 
مازال الشاب يحتفظ بما يخشى خسارته، بعكس إمرأة العزيز التي كانت قد خسرت كل شيء بالفعل، بعد أن نالتها الفضيحة وراحت الألسن تتداول قصتها، حتى لم يعد لديها إلا التمسك بهواها. هل كان ذلك الحب منزهاً إلا من الرغبة في الحصول عليه؟! أم أن كبريائها المهان أضاف أسبابا جعلتها تتشبث بالشاب!!..
 
تختلط المشاعر على المرء، حتى لا يدرك أن كان ما به حقيقي أم مجرد وهم يرى فيه ما يكمله! الوقت فقط هو ما سيحدد ماهية تلك المشاعر!..
 
مضت أحداث القصة كما أرادها الله، لتعود إمرأة العزيز إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، لكنها هذه المرة وقفت أمام ملك مصر الذي بدت رغبته في براءة يوسف واضحة للعيان!!..
موقف مهيب، يجعل من أي شخص يشحذ كافة أسلحته خشية عواقبه، إلا أن امرأة العزيز لم تكن بذلك الضعف وتملك العديد من الأسلحة!.
 
فمازالت زوجة "عزيز مصر"، بمكانته ومقامه، أمام شاب منهك لا تدعمه سوى "تفسيرات أحلام"، يبقى تحقيقها في علم الغيب. كما أن القدر وضعها مجدداً أمام الشاب الذي رفض قلبها وكسره، وجعل من محيطها يضعها في محل شك واتهام دائم!..
 
لن تجد امرأة العزيز أفضل من هذه الفرصة لانتقام جديد! فرصة لا تحتاج منها إلا تأكيد نفيها السابق وخلق بلبلة أمام الشاب الطموح، لكنها فاجأت الجميع باجابتها المستسلمة: "الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ"..
 
على ما يبدو، أن فكرة فراق يوسف لم تكن قد مثلت في ذهن امرأة العزيز من قبل، رغم السنوات التي قضاها في السجن!؛ "سيخرج يوماً وتمنح لها فرصة أخرى لعرض حبها!"، لعلها كانت تمضي أيامها بتلك الأماني، قبل أن تدرك أمام المحاكمة الجديدة أن لحظات الفراق الحقيقي قد حانت ولم يعد من مجال للمزيد من الأوهام!..
 
قاست المرأة بشكل سريع الخسائر التي سوف تدفعها ثمناً لبراءة من أحبته، وقارنتها أمام ما سيبقى لها من ذكرى ترضاها عن نفسها في ذهنه. ولعلها اختارت الصدق لتحرير نفسها من أوهام محبة لم تجد لها أرض صالحة للعيش، أرادت المرأة حريتها من قيد "خيانة" جديد، قبل حتى أن تفكر في حرية يوسف: "ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَآئِنِينَ"..
 
لم يكن إخوة يوسف ليملكوا تلك الشجاعة أو الصدق، رغم مرور سنوات على ذنبهم الأول ونتائجه التي أدت إلى عمى والدهم، فما أن وضعوا في تجربة فقدان "صواع الملك" حتى ألقوا بتبعته على أخيهم الضائع!! خيال خصب لم تكن لامرأة أن تبتكره، وربما كان سينطلي على سيدنا يوسف لولا أنه كان من حاك الموأمرة: "قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ"..
 
لم تتهرب امرأة العزيز من اخطائها، كما حاول سيدنا يعقوب إلقاء اخطاء أبناءه على الشيطان، أو كما حاول أبناؤه من بعده. كانت المرأة مذنبة، أقرت بذلك بكل شجاعة وهي تضع وصفاً دقيقاً للصراع الدائر في النفس البشرية، مطالبة في ذات الوقت بحقها الإلهي في طلب المغفرة: "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..
 
مثّلت امرأة العزيز العدو الأكثر صدقاً وشجاعة في القصة، تمسكها بالخطاء لبعض الوقت لم يجعلها تبرر لنفسها إستخدام وسائل غير مشروعة كالكذب والزيف. قد تبدو فكرة البحث عن عدو يحمل بعض القيم الإنسانية، لتحمل له في المقابل بعض الاحترام، فكرة رومانسية وبعيدة عن الواقع..
 
 فعلى الدوام كان إلقاء التهم على الآخر(الشيطان)، وتنزية أنفسنا، هي الطريقة المثلى للخروج بأقل الخسائر، متجاهلين حقيقة أن الخسائر تبقى فينا طالمنا رفضنا الإعتراف بها!..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر