أسلحة ناقصة..


نور ناجي

"والله لنحكمن اليمن بالاستبداد والظلم ونذيق أبناءها الجوع والمذلة مع مجاهرة ألسنتهم وقلوبهم بالذكر والدعاء تقرباً منا!"، قال "السيد!" عبدالله ابراهيم موجهاً حديثه إلى "محمود نديم" الوالي الأخير للدولة العثمانية ومهندس صلح دعان.
 
أستغرب "نديم" أن يصدر هذا القول من رجل دين "سنّي" لم يكن يخفي معارضته وانتقاداته الدائمة ضد الإمام "يحيى حميد الدين"، إلا أنه لم يخفي فضوله أمام ثقة الرجل من سيطرة "الإمامة" على الشعب اليمني الذي استساغ دماء جنود الامبراطورية العثمانية واستهان بترسانتها العسكرية حتى أجبرت على الفرار بما تبقى لها من ماء وجه مخلفة وراءها قلة من أمثاله رغبت في عطايا الإمام عبر ادارتهم شؤون دولته الناشئة!..
 
" كيف تطمئن لذلك رغم عدم امتلاك الإمامة للسلاح والمدافع التي لم تكن ذات جدوى لنا من قبل، لا أعتقد أنك تعتبر المقاتلين الذين اقوم بتدريبهم جيش قادرعلى ذلك التطويع"، هتف نديم ليبتسم له الرجل مشيراً بثلاث أصابع: " لا نملك سلاح واحد، بل ثلاثة !"..
 
عدّل "عبدالله ابراهيم" وضعية جلوسه قبل أن يكمل بثقة: " قد تكون الأسلحة الخالية من البارود وضجيجه هي الاقوى مفعولاً!"، قطب الوالي السابق جبينه وقد شعر بأنه أمام حل اللغز الذي استعصى عليه طيلة فترة حكمه..
 
" الدعاية يا صديقي، مازالت الدعاية هي الطريقة الافضل لتمرير أي منتج، حتى إن كان سيئاً، وقد قضت السلالة مئات السنين تدعو لنفسها على هذه الأرض، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير لولا تعلق اليمني بالدين، ينشد الجميع نجدة الرب، ولن تجد أفضل من سلالة مصطفاة لنيلها، "حجة لله" يرتبط رضائهم بإرضائه، وتتجنب المهالك بحبهم!..
 
ابتلع عبدالله ابراهيم ريقه وأكمل: " لم تتوقف الدعاية بين العامة، مازالت في كل مجلس وسوق، دوناها في الكتب والقصائد دون أن تغادر وليمة أو حفلة عرس، ستجد من يرددها في بيوت العزاء في صلواتنا واستسقائنا إضافة إلى خطب الجمعة، لك أن تعود لسنوات حكمك السابقة لليمن، هل تتذكر خلو سوق أو تجمع من منشد هنا أو هناك؟!"، لم ينتظر جواباً وقال: " لم نتوقف يا صديقي عن الترنم بأفضال آل البيت ومناقبهم حتى في مجالس النساء!"..
 
ربما شاركت الدولة العثمانية في دعم تلك الدعايات بشكل أو آخر حين التزمت بدفع رواتب للأئمة بين الحين والآخر كوسيلة لتجنب الاضطرابات التي كانوا يثيرونها، لعل ذلك ما دار في خلد القائد الكردي إلا أنه اخفي ما يعتمل في صدره وطرح سؤاله عن ماهية سلاح الإمامة الثاني لترويض الشعب اليمني؟!، هز عبدالله ابراهيم رأسه: " ربما لن تجد اختلافاً نوعياً بينهما، كلاهما  يصب في قوالب الدين الذي جاهدنا لتشييعه!..
 
كثيرة هي الأحاديث التي عزوناها لكتب الصحاح، قبل أن يؤلف علمائنا ما اعتبرناه صحيحاً ونشرناه على ذلك الأساس، حتى لم يعد يميز طالب العلم صحة ما يقرأ، فلم يكن من حق معلم أن يردد الكتب الصحيحة إلا من وراء جدر!"، ابتلع الكردي ريقه وأشار لرفيقه بعدم التوقف!..
 
" لا أنكر وجود المعارضين هنا أو هناك، إلا أن فقهائنا يقفون لهم بالمرصاد، لا يجوز الاعتراض على أمر للإمام وإن كان جائر، فلا يد تعلو فوقه إلا يد الله، مازال العامة تتداول قول الامام عبدالله بن الحمزة: " لا فرق بين أعمالنا وأعمال الطغاة إلا بالنية !"، فكيف لناقد أن يعترض على إرادة الامام أو نيته؟!" ..
 
لم يحاول "محمود نديم" تذكير صاحبه بمعارضته للإمام يحيى، فقد اختلط عليه الأمر، هل كان ما يسمعه من انتقاد ساخر لمنظومة يعترف بأنه كان جزء منها نقد حقيقي لها، أم أن سخريته اقتصرت على رأسها الحالي المتمثل بالإمام يحيى؟!..
 
ربما لن يعرف أبدا، لذلك اقتصر بحثه عن السلاح الثالث من خلال لسان الرجل الذي أكمل: " كما كانت الدعاية لمصلحتنا سلاح ناجع، ستكون المضادة منها مناسباً لأعدائنا، لا بدّ من تشويه أي منتقد واتهامه المباشر بمناصبة العداء لآل البيت وإن كان منهم، كبيت الأمير مثلا، ليس ذلك وحسب فلم يسلم الإمام الشوكاني من التشويه رغم المكانة التي احتلها في  قلوب اليمنيين، لن تدرك يا صديقي مدى الأذى الذي يلاقيه الناقد لنا، لعلنا لا نحتاج لعون يخلصنا منه حين يكون هلاكه منجاة لأمة بأكملها!"..
 
نفض "السيد" عنه أسلحته بانتظار ردة فعل الوالي التركي الذي قال دون أن يهذب حروفه: " اسمع يا عبدالله، لا أنكر أن فينا نحن الأتراك من يعصي الله ويرتكب الفواحش ويظلم ويفسد لكن أن تكذب على الله ورسوله مثلكم فلا !"..
 
انتهى الحوار الذي تم ذكر تفاصيله في "مذكرات العزي صالح السنيدار" رحمه الله، إلا أن الضابط التركي لم ينتهي من اليمن، ومازال مصراً على البقاء فيها، وقد خلص وهو يرفع سلاحه مسانداً " ليحيى حميد الدين" بأن أسلحة الإمامة ـ الكاذبة على الله ـ لم تكن بالنجاعة التي يظنها أصحابها، دون بندقيته..
 
شارك "نديم" وبكل إخلاص في قمع الانتفاضات التي قام بها اليمني ضد الإمامة، بالأمس كان قدهيأ "زبيد" لدخول "حميد الدين" وإحكام سيطرته عليها، واليوم يفاوض الأدارسة في عسير ويحثهم على التسليم له، قبل أن يعد نفسه وجنوده للقضاء على ثورة باجل..
 
لا أعتقد أن أسلحة الإمامة كانت قد انطلت على الضابط التركي، يعلم في قرارة نفسه أنها لن تنجح في الاستمرار على هذه الأرض وستفشل كما فشل هو سابقاً، إلا أنه مازال يكذب على نفسه ويردد: "وإن رخاء هذا البلد وسعادته مناطه بالكلية بسيادة الإمام!"..
 
أغلب الظن أن البقاء ضمن حاشية الإمام كانت خياره الوحيد، ساحة الحرب لما تبقى منه، أي أرض ستقبل بسلاح ناقص لا طلقات فيه، وربما كان انضمامه للمنظومة الكاذبة، مناسب لإطفاء جذوة غضبه ضد شعب كانت ثوراته المتلاحقة إحدى أسباب سقوط دولته وتقلص حدودها على الخرائط..

 
توفى "محمود نديم" دون أن يدرك بأنه لم يحصر كافة الأسلحة في عصره، فلم يذكر له عبدالله ابراهيم سلاح "النسيان" الذي طالما عادت الإمامة للانتصار به، بعد أن منحها اليمني فرصة استخدامه المتكرر.
 
لا بأس في منح الغفران، إلا أن نسيان التاريخ خطيئتنا التي مازلنا نصّر ارتكابها لمعاودة الاستغفار عنها..
 
 
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر