زفة اليمني.. الملحمة الخفية!


نور ناجي

يفترض بأغاني الأعراس أن ترسم البهجة في قلوب مستمعيها. وهذا ما تقوم به الزفة اليمنية مادامت الألحان منفردة بذاتها، إلا أن يردد المطرب أو المطربة ما توارث من كلماتها..
 
أي حالة من الشجن تصيب مستمعيها، لدرجة تدعو البعض إخفاء دموعهم عن أنظار الآخرين!.
 
"ساعة الرحمن ذلحين، والشياطين غافلين"..
 
من الطبيعي أن ترمز "الساعة" إلى الوقت عامة، إلا أن البعض قد يضطر لاختصاره، وهو يتذكر ما كان يردده الأجداد عن "الساعة الجِيدة" بكسر الجيم، والتي كان يجب على الفقيه تحديدها بمنتهى الدقة لإتمام عقود الزواج، وما على شاكلتها من شؤون الحياة..
 
أنت أمام  إنسان رضي بأن يكون نصيبه من الفرح ساعة، سواء كانت في اليوم أم العمر. سيسعد أي سجين بهبة حرية مختصرة تُمنح له، لذلك ستجد اليمني متلهفاً على فرحته- وإن أُجتزأت- دون ضغينة ونقمة، على عكس الملامح المغتمة لشعوب غنت للحزن وطربت له!.
 
شتان بين ما يرسم الحزن، وبين ما ينحته البؤس على الوجوه!.
 
أدرك اليمني مبكراً أن الحزن مكلف، باهض الثمن، ما أن يترك نفسه له حتى يستنزف البكاء ما خزنه جسده من مياه أولى به الاحتفاظ بها، خاصة وقد كلفته مسافات منهكة لقيعان الوديان. لم يكن من السهل على اليمني إستهلاك ما حصل عليه بشق الأنفس، لذلك ارتشف دموعه بما تحوي من طحالب استوطنت البرك التي قام بحفرها..
 
أي أحمق سيجازف بمرافقة الحزن حتى بدائل سحائب لن تأتمر بأمره!..
 
لن يقيم اليمني أفراحه حتى يتأكد من غفلة الشياطين التي لم يخفِ خشيته منها. لم يكن الوحيد الذي ارتبط تراثه بعالم الجن، فغالبية الحضارات حملت تلك الأساطير؛ أوجدت منها إجابات وجودية ملحة، ومنحتها بعض من أمل بروايات كان الخير فيها هو المنتصر، على عكس اليمني الذي لم تمنحه قسوة الأرض رفاهية طرح الأسئلة، كما تميزت حكاياته- على الاغلب- بنهايات محايدة.
 
كثيراً ما منح "عالم الشياطين والجن"، إضافة إلى "الحديد والنار"، أعذار مناسبة للحاكم حتى يفرض سيطرته على اليمني. فالأمراض تصيبك نتيجة عصيانك له. يقطع عنك المطر لتقليلك من شأن "الامام"، أو لرضى منقوص تجاهه. ما برح اليمني في حالة مس أو جنون لا يصيب سوى "عاصي وكافر"، لحظة استنكاره أوضاع لم يعد يقبل بها!..
 
حتى يومنا الحالي، مازال المذهب الشيعي يبالغ في وصف خرافة "واقعة الحصون" ضد "ملك الجان الساكن في عمران"!، وكأن "الجني" اليمني هو الآخر، متهم بالكفر حتى تثبت براءته. أي قهر وظلم مورس في حق أبناء هذه الأرض ليخفوه بين أبيات الأفراح والمناسبات السعيدة؟!..
 
تضطر أحيانا لتجاوز مقدمات الزفة "المُوثِقة" لحال أجدادك، علك تجد في ما تبقى منها بعض من تفاؤل وبشر. قبل أن تدرك بأن" ساعة الرحمن" لم تكن بلا شؤائب، لا تكاد تنتهي من التصفيق لدعوات السرور الخاصة بالعروس وأهله، حتى تدخل في ملحمة لا تقل عن تلك التي خاضها جلجامش..
 
إلا بسم الله الرحمن، إلا حان الوداع الان..
إلا ما أصعب فراق الأهل والإخوان والجيران..
 
يا حجار الدار حني، شمعة الدار خارجة..
خارجة من بيت أبوها، سايرة بيت المليح ..
 
حتى الآن، نحن أمام مشاعر وداع طبيعية، رغم بطء خطوات العروس وهي تودع زاويا المنزل، ولها كافة العذر، فلن تسمح لها مصاعب السفر ومسافاته الشاقة بوداع هادىء أو بوعود زيارة قريبة. ستمر سنوات ولا شك قبل قيامها بمثل تلك المفاجأة السارة- إن حدثت.
 
ألا يا أماه تودعتش، وعيني تسكب الدمعة..
ألا يا أماه كثر خيرش، وعيني تسكب الدمعة..
ألا قومي وزفيني، وضوي لي مائه شمعة..
ألا شاودع الحجرة، وضوء البيت، والقمره..
ألا شاودع الدرجان، وفرش الدار، والسمرة..
 
مازال اليمني يعمل منذ توقف عن الحبو، يكد بلا وقت مستقطع أو أجازات، وغالباً بأجر لم يشبع معدته، أو يغير في نوعية طعامها، عدى بالطبع أولئك الذين هيأت لهم الحصون والقصور. تدرك العروس بوشاحها المطرز أنها "يد عاملة"، وستكون والدتها المتضرر الأول من خسارتها..!

 
سنوات طويلة مرت في تدريبها وتأهيلها، استحقت عليها الكثير من الشكر والاعتذار للعمل المضاعف الذي سيتوجب عليها القيام به منفردة. ربما تجنبت بعض الأسر اليمنية هذا النقص بتبادل "العاملات" عبر مصاهرات وزيجات مشتركة، أو بزواج رب العائلة بأخرى ليخفف من نتائج العجز الذي وقع في منزله.
 
ألا يا أماه كثر خيرش، ألا شلي مفاتيحش..
ألا وتفقدي بيتش، إلا مادمت انا عندش..
 
ألا تؤكد الأبيات السابقة حرص اليد العاملة الأمينة على إخلاء عهدتها؟! لن تجد أفضل من زفة معلنة حتى تظهر جودة عملها وكفائتها أمام رب عمل جديد ستنتقل لكنفه.
 
عادني يا أماه شوية، عادني يا أباه قليل..
حجبي يا أماه علي، واطرحي فوقي كتاب..
 
ما أن تقترب لحظة مغادرة العروس، حتى تصاب بالرهبة؛ ستواجه مصاعب عدة، ولا يملك الجميع شجاعة خوض مغامرة- مشروطة بعدم الخسارة- لا بأس إذن من استزادتها من المشاعر الصادقة التي نالتها بين أهلها، فحصولها على المزيد سيبقى مرهوناً بعلم الغيب..
 
مازال اليمني يأمل في "ساعة الرحمن"، إلا أنه لن يقف عاجزاً مكتوف اليدين حتى حضورها. إن لم يجد قانوناً ينصفه سيقاتل لإيجاد "عرف" يستند عليه عبر قبيلة أو عائلة. وليست المرأة اليمنية سوى جزء من مجتمعها، لذلك تفاخر علناً وبشكل مقصود بمناقب والدها، وكأنها تناشده بطريقة مبطنة مساندته حال دعت الحاجة لذلك..
 
ودع الحجرة والاجبي، خاطرك يا بيت أبي..
دار ابوش معمور بياجور والحمام عليش تدور..
ليت ابوش يطلع يزورش، ويعين مشقرك..
 
حاول الكثير إبدال الزفة اليمنية بأخرى مطورة، مواكبة للعصر، أو هروباً مما تبطنه من شجن؛ لكن الغالبية مازالت تصر على تزيين افراحها بها.
 
ليس الماضي بالمجمل سيئ، يحمل في طياته بعض من "ساعات" لم تقبل بهجران الأمل. في حقيقة الأمر نحن لا نختلف عن أجدادنا ومازالت "الساعة الجِيدة" تراودنا عن نفسها، وبالمقابل نتمسك بأمل انتظارها.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر