مخاطر محدقة بالجيش الوطني.


منذر فؤاد

  في 24 نوفمبر الماضي، طالب عميد سعودي متقاعد بحل الجيش الوطني "من وزير الدفاع وحتى أصغر جندي"، زاعما أن ذلك يندرج ضمن اتفاق الرياض الأخير.
 
ما قاله العميد السعودي قد يكون وجهة نظر شخصية، وقد يكون معبرا عن الموقف الرسمي للسعودية وأرى أنه كذلك، كون السعودية كثيرا ما تستعين بمحللين سياسيين وعسكريين ومرتزقة أقلام، للتعبير عن مواقفها التي لا تريد إضفاء الطابع الرسمي عليها، ولو كان الأمر يتعلق بوجهة نظر شخصية، لرأينا تنوعا في الآراء وتعددا في وجهات النظر، وهذا غير موجود حاليا داخل المملكة.
 
إن تفسير اتفاق الرياض من وجهة نظر مناوئي الجيش، يمكن أن يشكل مدخلا لمطلب حل الجيش الوطني، كون الاتفاق نص على حل التشكيلات العسكرية غير الشرعية ودمجها في قوام الجيش الوطني والأمن، وهذا التفسير المغلوط والمجافي للحقيقة قد يبرر للسعودية ومن خلفها الإمارات الضغط باتجاه بناء هيكلية جديدة للجيش تضمن لها النفوذ والتحكم بخيوط اللعبة حاضرا ومستقبلا، وهذا إن حدث فلن يكون إلا امتدادا لعملية ممنهجة لتصفية وإضعاف الجيش.
 
وهذه العملية بالطبع ليست وليدة اتفاق الرياض، وإنما تعود إلى الأشهر الأولى من اندلاع الحرب، من خلال الضرب الممنهج لقوات الجيش تحت مسمى الغارات الخاطئة، أو مبررات أخرى كما في مجزرة الجيش الأخيرة في عدن، وإتباع سياسة استنزاف ممنهجة لأبطال الجيش في معارك تؤسس على "توازن القوى" بما يضمن إخراج الآلاف منهم إما شهداء أو جرحى"جبهة تعز مثالا"، فضلا عن عمليات دقيقة طالت قيادات عسكرية من الصف الأول، وهو ما يستحيل على ميليشيا الحوثي تنفيذها بهذا القدر من الدقة.
 
إن العقيدة القتالية للجيش بشكلها الحالي، لا تروق للخارج الذي يصر على أنها تشكّل تهديدا لمصالحه ونفوذه، وبالتالي يبذل كل ما بوسعه لشيطنة الجيش وتوصيفه بالإرهاب تارة، واتهامه بالتبعية لحزب سياسي تارة أخرى، وفي كل الأحوال فإن حالة التشكيك والتخوين هذه لا يمكن النظر إليها بمعزل عما سبق من عمل ممنهج لتصفية منظومة الجيش.
 
هناك الكثير من الكلام المعسول الذي يجري تسويقه للناس، على أن السعودية لن تتخلى عن الشرعية ولن تتخلى دعم الجيش الوطني، لكن ماذا عن السعودية التي ساعدت الحوثيين في 2014 في دخول العاصمة صنعاء والقـضاء على هيبة البزة العسكرية؟ وماذا عن السعودية التي تفاوض الحوثيين بشكل هادئ بعيدا عن ضجيج الإعلام لتمكن لهم في الأرض مجددا وباعتراف رسمي هذه المرة؟ هل هذه دولة يؤتمن عليها في إسناد الجيش الوطني حتى النهاية؟ وهل من المعقول أن تتفق السعودية مع الحوثيين دون التطرق إلى الملف العسكري ومصير الجيش الوطني في المستقبل؟
 
وبقدر ما يواجه الجيش مؤامرات ومخاطر خارجية، فإن هناك مخاطر حقيقية تهدد الجيش من الداخل، وهذه المخاطر ليست الأقلام الناقدة للفساد في هرم المؤسسة العسكرية، وليست الأقلام الساقطة التي تشوه صورة أفراد الجيش وتلصق بهم كل أفعال السوء، ولكن السوس الذي ينخر في منظومة الجيش الوطني من خلال قلة من الشواذ الذين يمارسون البلطجة باستخدام "الرقم العسكري"، دون أن يكون هناك رادع لهم من القيادات التي ينضوون تحت قرارها، وتكرر مثل هذه النماذج واتساعها مع مرور الوقت سينعكس سلبا على صورة الجيش وسيؤثر على علاقته بالحاضنة الشعبية، وحينها ستجد الحاضنة الشعبية نفسها مهيأة لقبول أي قرارات تدفع باتجاه حل الجيش تحت مسمى "الهيكلة" أو أي مسمى آخر..
 
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر