نجوم صنعاء ..


نور ناجي

بإمكاني القول أني لا احمل السفة الذي يؤثر الجمال لنفسه ويحرم العالم من مشاركة متعة النظر إليه. لكن الحقيقة التي احاول الترفع عنها، أن عدم امتلاكي ثمن "لوحة النجوم" لفان جوخ، هي السبب الحقيقي لاقتنائي نسخة مزورة لم تتجاوز بضعة الآف من الريالات عند محل الاستوديو الواقع على رأس الحارة..
 
أتذوق بمتعة خفية رائحة اندهاش البعض، واستنكار البعض الآخر من إفراغي مساحة لا بأس بها من الحائط لتلك اللوحة. رغم محاولاتهم إخفاء ذلك، إلا أني استطيع قراءته وبسهولة، وانا اراقب إهتمام الزائر المتأمل، أو ذلك اللامبالي لنجوم فان جوخ القريبة من شموس صغيرة..
 
"ما الذي ترينه فيها"؟! ارتبكت للسؤال. فلم أكن قد فكرت في مثل هذا السؤال من قبل. أقصى مهاراتي كان ادعائي التواضع، وأنا أشرح تاريخ اللوحة المزورة، والفنان الذي رسمها. كما أن شعورك بشيء لا يعني بالضرورة قدرتك على ترجمته إلى حروف وعبارات، لكني مع ذلك حاولت..
 
تأملت اللوحة ملياً. لا أشعر بذلك الشجن في النهار أمام اللمعان الحزين للرسام الهولندي. لعل الاستيقاظ المبكر سبب منطقي لادارت الدموع ظهرها لي.. 
 
أتذكر جيداً لقائي الأول بلوحة النجوم لفان جوخ. كان ذلك بعد قيام الحرب بعدة أشهر، حين امست الصواريخ المنبة الذي استعضنا به عن عد الأيام. توقف ذلك المنبة، تقريباً، لبضعة ليال، ولم أحسن للأسف استغلال صمته المريب في النوم..
 
ما المشاعر التي انتابتني، لحظة مصادفتي للوحة، بينما كنت أبحث في شبكة أخبار الإنترنت عن أمل لانتهاء الحرب في اليمن؟!..
 
أتذكر اللمسة الحانية للون الأزرق، وهي تديرني تجاهها، باحثة عن رفيق؛ الإضاءات الخفيفة التي أطلت على استحياء من بيوت القرية، هل استبدل الفنان الشمس بالقمر أم أنه تمنى جمعهما؟!، 
 
كانت المسافة بيني وبين تلك السماء قريبة جدا، برغم المدى الشاسع الذي يفصلني عنها. والأغرب من ذلك، احساسي للحظات بأني جزء من تلك الألوان. لم أكن الوحيدة فيها، فقد شعرت بصنعاء، مدينتي الغالية، تفر من ليلتها وتنعكس على تلك اللوحة، باحثة عن بعض من السكينة. المدينة الوحيدة التي شعرت فجأة بالخذلان، بعد أن هجرها أولئك الذين ادعوا حبها وعشقها سنين طوال، قبل أن ينزع عنهم ما كانوا يدعون، وعجزوا عن التضحية من أجلها ولو بالقليل، لتمسي لياليها، بعد ذلك، وحيدة، لا ذراع تصد عنها، أو كف تربت على كتفها المنحني .. 
 
شعرت ليلتها بأن من اختار تلك الألوان كان حزين، حزين جداً، ووحيد، وإن ادعى العكس. يتسائل بحيرة شديدة عن أسباب التناقضات التي يحملها العالم، والكيفية التي يجب عليه السير فيه ليتجنبها! ..
 
هل توجه فان جوخ إلى السماء، كما تتوجه مدينتي، كل ليلة، بعقل لا سكون فيه، وقد ترك بيوت القرية وسكانها، الذين اختلقهم، ليجد إجاباته، أم أنه تخيل ذلك؟! لعله ترجاها كثيراً  بهمس رقيق من فرشاته، قبل أن يصيبه الغضب، ويخلط ألوانه بقسوة، ويلطخ بها وجه القطعة القماشية بكل نزق..
 
"لماذا تتجاهليني" ؟!
 
صرخ فان جوخ للسماء، لعلها تجيب عن أسئلته وحيرته التي تؤرقه. عبث بألوانه ليخبرها عن وحدته وعجزه دون أن يتلقى الرد. لكنه كان أذكى من أن يمزق لوحته، استمر بعناد في غرف بقية من أمل في قعر روحه ليصبه عليها، حتى تتحول ألوان لوحته، في لحظة ما، الى نافذة، تنقله الى عالم آخر، وقد اقتنع أن مناجاة حزنه ونفسه الوحيدة، عبر اللون الأزرق، كان بديل مناسب عن العالم خارجه..
 
لم لا؟! ألا يخطر ذلك في ذهن من يعيش في صنعاء؟ ذلك الذي مازالت متابعة الاخبار ،بالنسبة له، ليست سوى أبواب خفية ستُفتح له ذات يوم على مدينته التي يحلم بها، وهو يؤكد على نفسه وبكل إصرار أن ما يسمعه من تراجع هنا، أو تخاذل هناك، ليس سوى سحابة صيف، إرجاء متعمد لمفاجات سعيدة، لا ينقصه للالتحاق بها سوى المزيد من الإيمان والتصديق..

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر