لا يخفى على أحد، ما تعانيه مدينة تعز منذ أربع سنوات من حرب وحصار جائرين فرضتهما ميليشيا الحوثي، ومع ذلك لا يجد بعض أبناء المدينة حرجا في جلد مدينتهم وإن تطلب الأمر شيطنتها ودعشنتها واعتبارها حاضنة للإرهاب والتطرف.
 
في المرحلة الراهنة يخوض الجيش الوطني معركة مهمة مع الميليشيا الانقلابية، وتعرضت المدينة للقصف الهمجي خلال أيام عيد الفطر المبارك، وارتقى شهداء مدنيين جراء القصف وآخرون سطروا بطولات ناصعة في ميدان المعركة، ومن البديهي في حالة دموية كهذه أن تكون الأولوية لتضميد الجراح لا الاحتفال وإقامة الفعاليات دون مراعاة للمشاعر المكلومة.
 
عندما أعلنت السلطة المحلية قرارها بمنع أي فعالية خلال إجازة عيد الفطر المبارك والذي تراجعت عنه لاحقا، اندفع بعض الناشطين بحماسة لا نظير لها لتفسير القرار على أنه يهدف لمنع عرض فيلم سينمائي أثير حوله الكثير من الجدل، وبدلا من مناقشة القرار وانتقاده بصورة معقولة لجأ بعض الشواذ إلى التأكيد أن تعز تخضع لسلطة متطرفة وإرهابية.
 
في الدول التي تحترم حقوق مواطنيها وتصون أرواحهم، قد يصل الأمر إلى اتخاذ السلطات قرارات تمنع خلالها إقامة أي فعاليات ترفيهية وإعلان الحداد عندما يقتل مواطنيها، وتقديم المواساة والتعازي لعائلات الضحايا وإشعارهم بانتمائهم الفعلي للتراب والإنسان، بدلا من التعامي ومواصلة الرقص على جراحاتهم.
 
أما في أوطاننا، فالأمر يختلف كثيرا، ويصبح الترفيه أهم من مراعاة عائلات الضحايا ومواساتهم، وما الجدل الذي أثير في تعز حول منع فيلم عشرة أيام قبل الزفة، إلا دليلا على حالة التبلد الإنساني الذي أصاب المجتمع على مستوى العالم الإسلامي ككل، لدرجة أن يصبح محتوى سينمائي تافه أهم بكثير من مجزرة بعثرت فرحة العيد إلى أشلاء.
 
وإذا تطرقنا إلى المواقف التي رافقت مزاعم منع الفيلم السينمائي، فلن تتجلى أمامنا سوى مواقف تحاول إثبات ليبراليتها على حساب مشاعر الفقدان التي تضم المدينة، ومواقف وتحاول إثبات انفتاحها بنعت المدينة بالإرهاب والتطرف، ومواقف تحاول إظهار مدنيتها بتسييس القضية والتحريض على الخصوم بلغة ماكرة لا تخلو من الشيطنة والتزييف.
 
وإذا كان مكتب الثقافة بتعز مهتما بإقامة الفعاليات التي تندرج في إطار الترفيه عن المواطنين وإخراجهم من جو بائس كئيب فرضته الحرب، فهذا لا يبرر له تجاهل مشاعر المواطنين الذين ينظرون إلى بعض أنشطته ضربا من اللهو لتخدير المشاعر وإلهاء الجماهير، ولا يمكن لعاقل أن يستوعب إصرار مكتب الثقافة على عرض فيلم سينمائي لاعلاقة له بواقع وأوجاع الناس بينما الدماء تنزف والأجساد الفانية تساق إلى المقابر!
 
هل يعقل أن يتحول كل من يرفض عرض الفيلم إلى إنسان متطرف يجب ردعه ومحاسبته؟ لماذا تصبح الحرية مقدسة إذا كان الناقد علمانيا وتصبح ضيقة وممنوعة تستوجب المحاسبة عندما يكون الناقد إسلاميا؟ ماذا يسمى تحريض ناشطي اليسار ضد خصومهم وفي أي إطار يندرج؟ثم هل عرض الفيلم السينمائي من عدمه سيغيّر من الواقع البائس الذي تعيشه المدينة؟ هل انعدمت قضايا وهموم المواطنين حتى ينشغل ناشطو الفيسبوك بقضايا تافهة؟
 
لقد أشغلتنا القضايا الجانبية كثيرا، ولأجلها أهدرت الطاقات والأوقات حتى أصبحت القضية الرئيسية مجرد وسيلة للمزايدات وكسب المواقف، وربما يراد لها أن تتلاشى عن أذهان الناس عبر إشغالهم بقضايا أضحت ذات قيمة في وعي مجتمعي متدن للغاية!
 
وإذا كان البعض يرى في القضايا التافهة مسألة مهمة تستحق المتابعة والتشهير والمحاسبة فإنني أسأل: أيهما أولى بالاهتمام بالمحاسبة، رأي شيخ في أمر يراه هادما لقيم المجتمع، أم مناشدة ناشط علماني لأمريكا بقصف مسجد وسط تعز يكتظ بالمصلين لمجرد أن هذا الشيخ يخطب في هذا المسجد؟
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر