منذ الحلقة الأولى، أثار مسلسل " #غُربة_البن"، الذي تبثه حاليا قناة "يمن شباب" الفضائية، جدلًا كبيرًا في مواقع التواصل الاجتماعي. وكنتاج مباشر لطبيعة تناول المواضيع بخفة وعجلة في هذه المواقع، بدأ بعض الناس يعربون عن استيائهم من المسلسل، وما يزال في بدايته، ولمّا تتضح لهم صورة الحكاية بعد، وبشكل كاف..!!
 
بداية؛ يمكن القول إن تفاعل الجمهور دليل حيوية العمل؛ لكن العجلة في إصدار الأحكام المعممة، يعد تسطيحًا مبكرًا وتبخيسًا قبليًّا يشوش رؤية الناس عن المسلسل، ويبني حاجزًا نفسيًا قسريًا بينهم وبين العمل. وبشكل عام، فهذا السلوك المتعجل تجاه المسلسل ليس غريبًا؛ فتلك إحدى سوءات مواقع التواصل ودورها السلبي في تنميط الأحداث والأعمال بصورة ارتجالية، تفتقد لمنطق الاتزان والتروي في إصدار الأحكام وتقييم المواضيع بمعيارية ونزاهة.
 
 بعيدًا عن صدى الآراء، المختلطة والمشوشة في مواقع التواصل تجاه المسلسل- وهي مواقف ليست بمجملها سيئة- لكنّ غالبيتها عمومية ومستنسخة. فمثلًا: ما أن يكتب شخص يحظى بمتابعين كُثر- وإن كان يفتقد لأبسط قواعد النقد الفني- رأيًا عن مسلسل "غُربة البن"، أو غيره، سرعان ما يستنسخ الجمهور رأيه، كما لو أنه قال رأيًا موضوعيًا مفصلًا عن القصة. مع أن المتفحص لفحوى ما قاله يجده في المجمل رأيًا أقرب للانطباع الشخصي، وتتحكم به دوافع نفسية، أبعد ما تكون عن معايير الفن والدراما، أو حتى الذائقة الشخصية السليمة والمجردة.
 
على كل حال، دع كل هذا الشواش الإلكتروني بكل ما فيه من مواقف السلب والإيجاب..، وأخرج قليلًا من الفيسبوك، واسأل الناس عن مسلسل غربة البن، أخرج من هذا الفضاء المكتظ بالنقاد الدراميين المتطفلين على كلّ مهنة، وسوف تجد عالمًا كبيرًا من الناس لهم رأي مختلف فيما يشاهدون. ملايين البسطاء المندمجين في الحكاية، المتعطشين لمن يروي لهم أوجاعهم، هؤلاء الذين يتلقون أي عمل فني بإحساسهم الفطري، ودونما تشويش نقدي متكلف، ولا حذلقة وعي مدمن للتبخيس..!!
 
هذا النوع من البشر، المندمجين مع الحكاية، غالبًا ما ستجدهم خارج الفيسبوك. ستجد شعبًا جائعًا لتلك القصة، التي تلتقط أدق تفاصيل غربته الحياتية، وتعرضها عليه، فيتقبلها كما هي، ويتفاعل معها كما تتجسد أمامه. بالطبع هو ليس ساذجًا ولا متردي الذائقة؛ لكنه يتلقى الحكاية دون إملاءات لمواقف خارجية، وهو ما يجعله مختبر شعبي نقي لصدى المسلسل.
 
ما يميز هذا الجمهور الكبير، هو: أنه لم يتلوث بعد بمجتمع النقّاد السينمائيين؛ شعب الفيسبوك المتذاكي، حيث يقبع تجمع صغير من رواد مواقع التواصل، لديهم حالة سيئة ومتعالية من الهوس النقدي المبالغ فيه تجاه كل عمل درامي يصدر..!! هؤلاء الذين أدمنوا لعب دور المتخصص في تقييم الأعمال بتعسف دائم، وبمنطق الواثق من احترافية ما يقول..!!
 
وكي تختبر ضيق تلك الصورة المنمطة، التي تبناها بعض هؤلاء عن المسلسل، يجدر بك الخروج من دائرة مواقع التواصل.. هناك في الخارج، حيث يتواجد القطاع الأعظم من الجمهور اليمني، وغالبًا ما يقعون خارج اهتمامات المنتج، مع أنهم يمثلون الحصة الأكبر، والأهم، في شعبية أي عمل درامي يوجه للجمهور.
 
مع التنويه أن الأمر هنا، لا يتعلق بالتأفف من أي ملاحظات يبديها الجمهور تجاه العمل. كما أنه ليس بحثًا عن عزاءات شعبية للمسلسل في الأوساط الأقل وعيًا وثقافة. هو فقط، لفت انتباه لوجود شعب كبير، وجمهور واسع، خارج هذه الدوامة المعممة في مواقع التواصل، صوتهم مغمور، مع أنهم الكتلة البشرية الأضخم، وطرف المعادلة الراجح فيما يخص نجاح المسلسل شعبيًا من عدمه.
 
 
حسنًا، لتستكشف الضفة الخصبة المقابلة؛ غادر المجتمع الافتراضي المحنط، إلى أقاصي الريف، إلى مشارف القرية، إلى ديار أمك وأبيك، إلى موطن الجدة؛ واسأل فلاحًا تصادفه عن قصة حبه، أو اسأل أبوك عن ظروف ارتباطه بأمك، ستجد حكاية "غُربة البن" في ملامحهم، تفاصيلها تشبههم، وأحداثها نسخة درامية مماثلة لواقع عاشوا يومياته وأشهره وسنواته..
 
نعم، ستجد أن مسلسل غُربة البن، حكاية تشبه جذورنا كثيرًا، تروي عذابات الإنسان اليمني، وتجسد حياة الأسرة اليمنية في ماضيها القريب، تعكس معاناتها الممتدة منذ زمن، وتنقل تفاصيل عيشها البسيط، صراعها اليومي وكفاحها الدائم من أجل الحياة، علاقتها بالأرض، قسوة الزمان، وعبء الديون التي أرهقت كاهل اليمني، وجع الغربة، وفراغ قلب الزوجة، الحياة المعلقة، وألم العيش قيد الانتظار..
 
بصرف النظر عن عقد النقص الخجولة، والدوافع النفسية الأخرى، التي كانت بمثابة سببا مباشرا وراء سخط البعض من المسلسل، وبأنه يشوه اليمنيين ويقدمهم بصورة بدائية..، من المهم تذكير هؤلاء أن نسيج حكاية، يتطابق تمامًا مع واقع زمنها، وهذا هو جوهر أي عمل درامي واقعي، أن يجسد واقع عاشه أو يعيشه الناس، وليس في الأمر تشويه ولا تبخيس. هكذا نحن، وليس علينا أن نخجل من واقعنا، ليس علينا أن ننكره أو نطمسه أو نزيفه.. هو جزء حميمي من ذاكرتنا، وعنصر أصيل في هوية مجتمعنا..
 
 ولست أدري؛ ما طبيعة التشويه التي تحدث عنها البعض هنا !! متجاهلًا أن ما يسميه تشويه هو جوهر ما نحن عليه. مع التنويه أن التطور الشكلي للحياة، لا يلغي حقائق الماضي القريب، ولا يستدعي التنصل منه أو الخجل.
 
وفي الخلاصة: في اعتقادي- بعد أن اتضحت صورة شبه مكتملة عن جوهر مسلسل غربة البن، ومع الأخذ بعين الاعتبار كل الملاحظات النقدية الجادة التي قيلت عنه- يمكنني الجزم بأننا أمام أفضل عمل درامي لهذا الموسم، من بين كافة الأعمال الدرامية التي قدمتها القنوات اليمنية جميعها..
 
 وهذا النجاح يحسب لقناة "يمن شباب"، التي تجلت هذا العام بحضور أكبر. وأنا هنا لا أقف دفاعًا عن المسلسل، ولا أتبنى رأيًا تسويقيًا عن القناة، بل أتحدث عن انطباعي الشخصي الذي خرجت به، كمطلع على أغلب الأعمال الدرامية لهذا الموسم.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر