كانت الشوارع فارغة من المارة، كعادة صنعاء في نهار رمضان؛ لكن ذلك لا يعني أنها استعجلت في خروجها، لا بدّ وأن تكون مكاتب اليونسيف، أو ما اعتمدتها من فروع لتوزيع المنحة الخاصة بالمعلمين، قد فتحت أبوابها التزاماً بدوام الدولة الرسمي. قالت لنفسها وهي تبحث عبر لافتات الشارع عن العنوان الذي حدد لها ...
 
كانت من المعلمين الذين سقطت أسمائهم من كشوفات الدفعة الأولى بحجة أنها لم تكن ممن يمسكون "الطبشور"، كما قيل لها في ديوان الوزارة ومكتب التربية. تعترف بأنها غلطتها.. ربما كان يتوجب عليها غمس نفسها في "شوالة" من مسحوق "الطباشير" حتى تثبت أنها معلمة وتستحق تلك الهِبة ..!
 
لا بأس.. من الجيد أنهم تلافوا الخطاء وأدرجوا اسمها أخيرا. "لعلهم ادرجوه!".. همست وهي تطرد مشاعر الشك التي عاودتها قبل أن يلوح لها في الأفق طابور داكن طويل.. لابد أنه العنوان، لن تجد طابورا بذلك الترتيب، وفي نهار رمضان، سوى لعساكر أو معلمين.. وبما أنه لم يعد من جيش حقيقي في البلد، لا بدّ وأن يكون المعلمون، الذين اعتادوا على تنظيم طوابير الصباح، هم من أقام ذلك الصف المنظم.. "الحياة سُلَف ودين"- تمتمت وهي تدفع أجرة الباص وتغادره..
 
تأكدت من حدسها عند سؤال إحداهن، واتخذت مكانها في ذيل الطابور قبل أن يتوافد المزيد بعدها. لم يكن المكان مكتبا لـ"اليونسيف"، كما ظنت، بل فرع من فروع محلات الصرافة، وقد نابت فيها المنظمة أحد موظفيها عنها. كما سمعت..
 
"ألم يكن من السهل تحويل المبلغ إلى البنك مباشرة، كما كان يحول الراتب في الماضي الغابر؟!"- سألت- لتجيبها احداهن وهي تنظر إليها باستنكار: "لابد من عمل مطابقة لصورتك في البطاقة".. مطابقة مرة أخرى! لمَ كل هذه الرقابة؟.. ليست سوى خمسون دولارا، وبسعر صرف لم يثبت، حتى اعتمدت اليونسيف مشكورة سعر صرف للعملة اليمنية خاص بها..!
 
تسلطت أشعة الشمس على رؤوس المعلمين، مما اضطرهم إلى افتراش الرصيف في انتظار آذان الظهر، الذي لم يتبقى له سوى ساعتان.. ستمر كلمح البصر- طمأن المعلمون أنفسهم..
 
لكن الوقت امتد، ليتجاوز الثلاث ساعات، قبل وصول حارس محل الصرافة. مازال اليمني يتحلى بعنجهية البيروقراطية، ما أن يوقِع الحظ السيء أحدهم تحت يديه. لذلك كان لزاماً على الحارس إلقاء بعض الأوامر النافذة الصبر، لتعديل الطابور المتعرج، كما رآه، قبل أن يقف في مكانه بتعالٍ..
 
أخيرا، أطل أحد الموظفين، ليترك المعلمون، في أول الصف، أماكنهم، ويتأهبوا للدخول، وقد بدت على وجوههم ملامح الانتصار؛ كما بدت الغيرة على وجوه البقية، على الأقل لم يذهب حضورهم المبكر هباء؛ لكن الرياح تجري بما لا يشتهي المعلم، ولم يكن الموظف، الذي ابتلعه باب محل الصرافة، هو الشخص المنشود..!
 
كان المعلمون من السذاجة، حيث ظنوا أن منظمة اليونسيف سهلة وفي متناول يد المواطن البسيط، لدرجة أن يلتزم موظفيها بالمواعيد؛ لكن المعلمين الاوائل التزموا بوقوفهم الصامد نصف ساعة أخرى.. لن يسمحوا للهزيمة بالنيل منهم واعادتهم مكسورين إلى قاع الرصيف، حتى اشفقت عليهم السماء وانقذتهم بوصول السيارة المباركة، التي حملت موظفة اليونسيف، وقد أضاءت ما حولها بهالة من نور..
 
اشتعل الطابور- الغارق في العرق- حماساً، وعادت الحركة والنشاط إليه، وإن على مهل. لا ضير في ذلك؛ فأي حركة للأمام، وإن كانت صغيرة، ستمنح سلسلة الطابور دفقة من أمل ويقين وحياة..
 
احداهن كانت حامل، فتفضلت إحدى زميلاتها المعلمات باستبدال مكانها في الصف. لابد من التضحية في هذا الشهر الفضيل؛ لكن فضيلة التضحية لم تستمر طويلاً حين أخطأت احداهن واستعجلت التوقيت، وهي تهتف بأنها مصابة بهبوط. الكثير من التضحية يندرج تحت بند الاستغلال والاستغفال، فتوقفي عن التمثيل يا امرأة، واسندي ظهرك للبناية خلفك كالبقية. لم يعد المعلم بتلك السذاجة..! تمكنت اليونسيف، ووزارة التربية، في تسويف وقت سداد المنحة والمستحقين لها، والتي كان من المفترض صرفها دفعة واحدة في شهر أكتوبر من العام المنصرم؛ لكن المعلم لم يعد يقبل باستغفاله أكثر..
 
استشعرت القلق، بعد تأخر الدفعة الأولى من المعلمين داخل محل الصرافة، حتى خرج أولهم وعلى وجهه ابتسامة نصر.. فقد كان المبلغ كاملا ولم ينقصه ريال، قبل أن يسقط تفاؤلها مع مغادرة آخر يصرخ بقهر: "ثلاثة آلاف فقط..!! عام كامل من العمل لأحصل على هذا الفتات"..!! التفتت الى جارتها، التي عقدت معها صداقة قصيرة الأمد، وعهد على الصبر والثبات، وقالت: "أنها الصرخة.. يبدو أنه لم يكن صادقا في أدائه أمام المدير الجديد.."، وأردفت: "الأهلية شرط أساسي لاستلام المنحة"..
 
ما الأهلية، وما المقصود منها؟! تعلم اليونسيف، قبل الجميع، بالتغييرات التي أحدثها الانقلاب على النظام التعليمي في اليمن، حين تم استبدال غالبية مدراء المدارس بآخرين من أبناء "السلالة المقدسة"، ومن تم ابقائهم، أعيد غسل أدمغتهم البشرية عبر الدورات التثقيفية..!! فهل هذه هي الأهلية التي يقصدونها؟! أم أن استحقاق المعلم لأهليته تمت من خلال حذف أسماء المشكوك في ولائهم للانقلاب، وادراج موالين يجيدون الصرخة بمؤهلات عالية في استقطاب الطلاب إلى الجبهات..!!
 
ألا يجب على المعلم، من باب العدالة والانصاف، أن يتأكد هو بدوره من أهلية الجهة التي سُلّمت لها المنحة، وصرفتها ووزعتها واستقطعت منها؟!..
 
لم ينتهِ النهار.. مرت دقائقه ببطء، وقد بلغ التعب والارهاق حده الاقصى في الجميع، خاصة بعد أن تم طرد غالبية المعلمين وحرمانهم من رفاهية الجلوس على الرصيف القريب، حين قام اصحاب المحلات المجاورة بفتح أبوابهم؛ لكن ذلك التعذيب لم يثبط من عزيمة المعلم أو إرادته.. لا مجال للتراجع أو الاستسلام، فأيام الصرف محدودة، وتنتهي بثقب أسود مجهول يبتلع مستحقات المتكاسلين منهم. يبدو أن اليونسيف لا تتسامح مع خطيئة الكسل!..
 
وقفت سيدة عجوز، تغطي رأسها بستارة مهترئة، أمام الصف المنهك، متسائلة بشغف: "ما به معكم هانه، أو بيوزعوا دقيق"؟! كانت الشمس قد أفقدت المعلمين القدرة على الاستيعاب، فبادرت المعلمة للرد نيابة عنهم، قالت بسخرية صادقة: "هذي صدقات يا عمة، توزعها اليونسيف على المعلمين".. هزت العجوز رأسها بأسى: "مدرسين، الله يفرج عليكم". كادت عبرتها أن تسقط، وقد شعرت بالإشفاق على نفسها، وعلى غيرها من المعلمين؛ لكن واجب الصمود امسكها عن ذلك..
 
جرت العادة ألا يبوح المواطن بما في نفسه من معاناة وغضب، حتى يتأكد من خلو المكان من أصحاب "الشمة"؛ لكن الانهاك الذي أصاب المعلمين جعلهم يفقدون حسهم الأمني، ويستبدلون استغفارهم بالدعاء على الانقلاب وجماعته، دون أن يستثنوا الشرعية التي تخلت عنهم وتركتهم بين أيدي عصابة لا تمت للإنسانية بصلة..
 
 تساءلت في نفسها: إن كان كل من حولها كاره للحوثي، فأين المحبين له؟! وكيف بإمكانه السيطرة على هذه الجموع إن قررت الانتفاض؟! كان الوقت ملائم لثورة ضد المحتل، أو على الأقل ضد اليونسيف، المنظمة الدولية التي جعلتهم يقفون تحت الشمس الحارقة، وفي منتصف يوم صيام؛ لكنها كانت عطشى ومن الصعب تحريك لسانها الجاف بسهولة، فاعتبرت نفسها جبهة متوقفة، وأجلت تحركها ليوم- أو ربما لعام- آخر!!..
 
أخيراً، ألقى بها الطابور نحو فكي محل الصرافة.. لم تحاول أن تنظر إلى ساعتها لتقدير الزمن الذي قضته على الرصيف، بعد أن سحرتها برودة المكان. بحثت عن المكيف فلم تجده..! يبدو أن كل مكان بعيد عن الشارع هو جنة مكيفة، وقد تكون بركات اليونسيف هي من تلطف من أجواء المكان !..
 
لم يكن من الصعب تمييز الموظفة الأممية المنيرة. تقدمت إليها، وسلمتها بطاقتها الشخصية لتدون ما بها من بيانات: هل كانت الموظفة بذلك البطء، أم أن ضربة شمس هي من جعلت الصور تزحف أمامها بذلك الشكل؟ فركت عينيها جيداً.. ربما كانت الشمس بريئة، وليست طريقة عمل الموظفة سوى الأسلوب المعتمد لموظفي المنظمات العريقة. يبدو أن المعلمة المصابة بالهبوط ستبقى طويلا على الرصيف..!
 
فرغت من بصم الكثير من الأوراق بعد أن قرأتها جيدا. فلم يعد الزمن آمن لتسليم اصبعك لأحد، خاصة إن كانت منظمة أممية هي من تغمسه في الحبر. استلمت المال، وقادتها خطواتها صوب الباب، قبل أن يوقفها شعورها بالقهر: كيف لها أن تبقي فمها مغلقا، بعد المعاملة المهينة التي عوملت بها، هي وغيرها من المعلمين؟!
 
يجب أن يصل صوتها واعتراضها لأحد ما؛ لكنها- وعوضا عن الأفكار التي تدور فيها- هزت رأسها بيأس، وغادرت المكان الذي اختنق جوه اللطيف وتحول إلى وكر خانق.. ما جدوى اعتراض لا منصف له؟! ربما سيكون نسيان ذلك اليوم أفضل.. لا تستحق اليونسيف وموظفيها عناء التفكير فيهم. قد تكون تهمة التواطؤ مع الانقلاب، التي تلاحقهم وتتردد على لسان كل يمني، عقاب مناسب ووصمة من الصعب أن تمحى وتغتفر..
 
كان المغرب قد اقترب؛ لكن المباني التي أحاطت طريق عودتها، أصرت أن تتحول إلى أكواب من الماء البارد؛ لو كان بإمكانها ارتشافها جميعا، "لم لا"؟! تساءلت نفسها الأمّارة بالسوء بجرأة، قبل أن تنحني بإغراء صوب أذنيها وتكمل هامسة: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وليس على من وقف في طابور لليونسيف صيام..
 
 يجدر بالمعلمين المطالبة بفتوى تسقط عنهم هذا النهار، وتحميل كفارة افطاره على منظمة اليونيسيف وموظفيها..! ربما ستنال العصابات المارقة، التي اوصلت اليمني لهذا الحال، جزءً كبيرا من الإثم؛ لكنه لن يصل لخطيئة الشرعية، التي مازالت حتى اليوم تستخف بأبناء وطنها وبمعاناتهم..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر