‏مفاجآت تاريخية..


نور ناجي

يقول تشاك بولانيك: "التاريخ لا يفعل شيئاً سوى تكرار نفسه، ما نقول إنه فوضى ليس إلا أنماطاً لم نتعرف عليها بعد، ما لا نفهمه نقول أنه هراء، ما لا نستطيع قراءته نقول أنه كلام فارغ"، قد تتفق مع الرجل أو تخالفه الراي إلا أنك لا تستطيع إنكار مسارات التاريخ التي تلقي بظلالها على ما قبلها بشكل مستفز".

‏لم نعد نصاب بالحيرة حين نلقي نظرة على مسار الحرب الشبه متوقفة في اليمن، هناك لعبة دولية لم تحقق أهدافها بعد، والتي يبدو أن القضاء على الانقلاب لم يكن من ضمنها، وليس من المستبعد إن تكون مراوحة اليمن في هذا الركود هو الهدف غير المعلن لهذه الحرب، لكن الى متى؟!

‏يأتي هنا دور التاريخ للإجابة، الشاهد الذي لا يضيع وقته مهما طال ترقبه لرصد الأحداث الدرامية المثيرة، ولن يستعصي عليه حال اليمن، فليست صفحاته سوى سلسلة من حالات الركود التي تقطعها بعض المفاجأت، غير المتوقعة أو المتوقعة حين تتوفر الأسباب..

‏قد تكون إحدى تلك المفاجآت قرار خاطىء لم يحسب له جيداً، على سبيل المثال، لم تكن فجيعة هتلر بهزيمة جيشه في شتاء روسيا بأكثر من دهشة روسيا نفسها من قرار غزوها الذي أدت نتائجه إلى تغيير كفتي ميزان الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا التي ابتلعت قبل بضع سنين فقط معظم أوروبا في عدة أشهر..

‏كان قرار  ملك بيت المقدس "جاي لوزجنان"، بالخروج للصحراء ومقابلة جيش الناصر صلاح الدين الأيوبي بجنود كادوا أن يقضوا عطشاً، خطيئة عسكرية لم يحلم بها القائد الكردي المسلم؛ لكنه انتهزها وحرر القدس بعد سيطرة مسيحية دامت تسعين عاماً..

‏لن ننسى هنا عودة القدس للاحتلال مرة أخرى بعد وفاة صلاح الدين بنسخ خطة خيانة متوارثة اعتدنا عليها..

‏قد تكون لأصغر المخلوقات الحية أثر غير متوقع على مسار يُفترض أن يكون مفروغ منه قبل أن ينقلب راسا على عقب. 

لو عدنا بصفحات التاريخ إلى الوراء لوجدنا أن العالم احنى رأسه أمام غزو الاسكندر المقدوني الذي كان يسعى إلى "نهاية العالم والبحر الخارجي الكبير"، دون أن يقوى جيش أو أرض عصية على صده، حتى تجاوزت المساحة التي سيطر عليها قبل وفاته 5,200,000 كم2، لتكون بذلك أكبر الدول التي أنشئت في العالم القديم.. 

‏وبضربة عصا غير متوقعة تفتت تلك المساحة بعد وفاة مفاجئة للملك الشاب، والتي اتهمت بها "جرثومة السلمونيلا" المسببة لحمى التيفوئيد التي ظهرت اعراضها عليه كما ذكرت غالبية المصادر..

‏شعر الاغريق بضعفهم بعد إنسحاب "أخيل" أقوى المحاربين من صفوفهم، فهداهم تفكيرهم لوضع حصان خشبي يحمل في جوفه عده فرسان أمام أبواب المدينة المحصنة قبل مسرحية مغادرة معسكراتهم، لكن الغباء هو من جعل "بريام" ملك طروادة يقبل بإدخال تلك المكيدة التي خرقت حصار دام عشر سنوات، وجعلته ومدينته البحرية مكشوف أمام انتقام عدوه "منيلاوس" زوج "هيلين".

‏اخترق الحصن وهدمت المدينة، وقتل كافة سكانها وانتهت بذلك المنافسة الشرسة على الطرق البحرية بين الإغريق وملوك طروادة..

‏ملاحظة: لم يتوقف التاريخ عن تذكيرنا بأهمية الموانئ البحرية ومعارك السيطرة عليها، سواء في الزمن القديم أو على شريط اليمن الساحلي، إلا أننا لا نجيد القراءة..

‏لم يشعر المدونيين بالملل، مع وفرة انتصارات المغول على يد  جنكيز خان وهولاكو من بعده، "سيحدث شيء ما، لقد مررت بهذا الموقف من قبل"، يقول التاريخ لنفسه قبل أن يسمع هتافات العالم إبن تيمية الذي أخذ يدعو الناس لدفع الضرائب ومواجهة الأعداء القادمين من الشرق..

‏خرج المسلمون بقيادة "سيف الدين قطز" المملوك الذي تم شرائه من سوق النخاسة صغيراً ليقابل "كتبغا نوين" التابع الأول لقائد التتار العام "هولاكو"، يوم الجمعة 25 من رمضان للسنة 658هـ في موقعة "عين جالوت" التي هزم فيها التتار وتقلصت بذلك أحلامهم قبل أن تتلاشى كذرات غبار، واغتيل قطز المنتصر في طريق عودته على يد مجهول، لم تستدل السلطات المعنية حتى يومنا على الفاعل!!..

‏لا داعي للذهاب بعيداً، ربما لو سرعنا عجلة التاريخ وتوقفنا عند منتصف القرن السابق، لوجدنا "أحمد حميد الدين" يقف متفاخراً بعينيه الجاحظتين وبقدرته على حكم شعبه من خلال نافذة قصره لمائه عام أخرى، خاصة بعد أن تغلب على حركة 1948م وأعدم ثوارها بدم بارد وبأسلوب بشع أمام أعين الجماهير الغفيرة..

‏لم تكن استباحة صنعاء للنهب والسلب، فوضى غير منظمة بل جريمة مقصودة الهدف منها كسر أي نية مبيتة لثورة أو انقلاب جديد عليه. وبرغم حذره الشديد لم يتوقع في أسواء الحالات أن يتم القضاء عليه وعلى مملكته المعتلة على يد بضعة شبان من الجيش ربما لم يتجاوزوا العقد الثاني أو الثالث من اعمارهم، ساندت حركتهم الوليدة ثورة الجماهير التي لم تفارقها صور الإعدامات الوحشية القريبة العهد..

‏كثيرة هي الحكايات والملاحم التي جعلت مسارات التاريخ تنحني هنا وتتوقف بعض الوقت هناك، وكما اتفقنا ليست اليمن وما يحدث فيها خارج هذا المسار..

‏يشغلني أحياناً توقع سبب مناسب لنهاية هذه الحرب، قد يكون احتلال بعوضه لجمجمة أحدهم  نهاية درامية شيقة، حبكة مثيرة لثورة شعبية تقودها جماهير لم تعد تملك ما تخسره، لن يكون بالختام السيء.

‏ما رأيكم بقرار للشرعية مبالغ في جرأته، يصل إلى حد تهور الشجعان ورومانسيتهم، خاصة مع كثرة قراراتها الغبية..

‏ربما بالغ خيالي في التوقع الأخير، ومن الأفضل، لمن هو في مثل حالتنا، أن يبقي أحلامه  في نطاق الممكن الذي لن يعدمنا ظهور قائد صادق، عليه وعثاء المعارك، ظاهره كباطنه، لا يخشى من أجل أرضه لومة لائم، لا ينحني لمنصب ولا يشعر بهاجس تغيير سعر صرف الدولار الذي قد يؤثر على مستحقاته الشهرية.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر