‏انتقام متشفِ ..


نور ناجي

هل فقدنا الوطن فعلياً إثر عملية الانقلاب، أم أننا فقدناه قبل ذلك بكثير؟! ..

‏لم تكن محاصرة صنعاء هي البداية، أو حتى عمران ودماج، ربما لا نستطيع تأريخ لحظة مخصصة لافلات اليمن من بين أيدينا، نحن أمام تاريخ وقع على بركة مغمسة بالدماء وارتوى، حتى بدى أنها حكر عليه.

‏خاضت اليمن الكثير من الاضطرابات، أوشكت على السقوط لمرات لا يستهان بها، وتهاوت وانكبت على وجهها أكثر مما نتخيل، إلا من عودات جمعت فيها نفسها بصعوبة ببضع أجزاء من خيوط وأسلاك شائكة..

‏بامكاننا توجيه إتهامات حقيقية على السلالة المريضة بآفة التميز العرقي على غالبية المصائب التي وقعت في اليمن، لكن ذلك لا يعفي اليمني نفسه من تهمة المشاركة في الأذى وهو يعلم غالباً تبعاته لكنه رغم ذلك مستمر في خوضه وكأنه أمام لعبة أو أحداث مغامرة :" من سيدمر البلد ؟! "..

‏قد يكون الحكم ورغبة السلطة وراء سعي أسياد الحروب في إثارة البلبلة والقلاقل، لكن ما الداعي الذي يرافق الملبين لها؟!، ما الذي يثار في دماء البعض لحظة سماعهم زمجرة  الحرب الأولى وهتافات غربانه، ما الرغبة التي تسري في عروقهم وتجعلهم يلقون محراثهم عنهم ويستبدلوها برغبة متوحشة تتشبث بالسلاح وبرغبة انتقام لا يستطيعون إنكارها؟!..

‏حين تراقب بضعة أطفال في لعبة جماعية، لن تجد الجميع سعداء بالنتيجة التي ستوزع فيها الهزيمة على الاغلبية، فالكل يتمنى الاستئثار بالنصر وامتلاكه لكنهم ومن أجل استمرار اللعب يتبعون قوانينه وبالتالي القبول بنصر الغير، فقد انتموا فعليا للعبة وشروطها منذ لحظة اشتراكهم بها، قلة فقط من ستسعى لكسر وتحطيم قواعد اللعبة وتخريب ساحتها مع علمهم اليقين بأنهم سيكونون أول محروم منها!!..

‏حين تحاول فهم مثل ذلك السلوك ستجد أن عجز الطفل "المخرب" عن إتمام اللعبة مهما بذل من مجهود جعله يشعر بالنبذ الذي أفقده انتمائه لساحة اللعب..

‏لا تختلف ساحة اليمن عن تلك الساحة سوى بالأعداد الغير قليلة لمن يحاول تحطيمها مرة تلو الأخرى، بنشوة اندفاع لذلك الفعل لا ينقصه سوى هتاف شمشون: "علي وعلى أعدائي!!"..

‏هل يتبادل اليمني مع أرضه علاقة طبيعية، أم أنها تحمل من التعقيدات ما يفوق علاقة الإنسان بأرض يسكنها؟!..

‏حين تقف أمام مشاعر اليمني تجاه أرضه تجد أنك أمام محب يرى أن علاقته بأرضه كعلاقة حب بعاشقة ليست بعيدة عن "زليخة" حسب تصوره، تعاتبه يوما: "لم لا تمنحني القليل وتقاسمني بعض حبي لك؟!"، وتعطيه ظهرها حينا وهي تسأل الجلاد أن يزيد في تعذيبه؟!، وهو يقف بين جنونها حائرا في كيفية التعامل معها، هل يعطيها ظهره ويغادرها باحثا عن حبيبة أكثر رأفة به، أم يحاول الامساك بيدها مرتهناً لصدفة تعقلها حتى يتجاوزا محنتهما سوية؟!..

‏لم تكن جغرافية اليمن ابدا باللطف التي تتحدث عنه الاغاني، فهي أرض شاقة واورثت ذلك الشقاء لأبنائها، الذين أفنوا اعمارهم لاستصلاحها وزراعتها، دون أن يجدوا مقابل ملائم لما دفعوا أو مكافىء للأوقات التي رفعوا فيها أيديهم للسماء استجدا لقطرة ماء، وحتى في تلك اللحظات التي تحنو فيها عليهم وتلين لهم ستجد أن من يقطف خيرها قلة مرفهة لم تحمل لها معول او تذرف على ترابها عرقاً..

‏أصيب اليمني بالوهن نتيجة هذا الرابط، واهتز معه الأمان وبعض من الانتماء للأرض التي  يقطنها؟!، لذلك نزع نسبة لا بأس بها من ابنائها عن انفسهم تلك العلاقة عنهم وغادروا الارض الا من بعض التفاتات تعيد لهم بعض ذكريات، ومن تبقى عليها حاول مهادنتها وهو يمارس عليها حياة شاقة، واصبح أحد اثنين أما عازم على دفع ثمن عشقه للأرض بقلب متسع لشقاء وشفاء، أو آخر تحول إيمانه بها لقلق وتربص افقده مع الأيام قدرته على منح الأعذار والغفران وقد حملها تبعات اقدار لا تملك منها شيء..
‏ 
‏هل انتقمت الفئة الاخيرة للشقاء الذي نالته  من قسوة هذه الأرض؟!..

‏"مهما كانت الحروب قاسية لكنها أكثر عطاء من أرض بخيلة" قد يقولها من فضّل مصلحته الشخصية عن سلام هذه الأرض وهو ينفخ في النيران فيها بانتقام عاشق متشف، دون أن يدرك أن النيران لن تتوقف عند احراق الأرض، بل ستمتد لتلتهمه بمكاسب حروبه واعذار الانهاك والتعب التي أفقدته إيمانه بها..

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر