معنى الثورة


سلمان الحميدي

  كان الناس كلهم يقولون: "الثورة فعل مستمر".
 
كان ذلك أثناء ثورة 2011؛ من يطل على أي شاشة يقولها؛ من يصرح لأي صحيفة يقولها؛ من يتحدث عنها يستشهد بالتعريف.. شباب وأكاديميون؛ صحفيون وناشطون؛ ريفيون ومدنيون.. "الثورة فعل مستمر". وكأن من لا يقولها فقد تخلخل يقينه بالشك، وأن الثوار سينظرون له بريبة..!
 
إلى جوار هذه الّلازِمة، كانت هناك أخرى، حتى في الريف كانوا يتداولونها كدلالة على الوعي: "سيناريوهات.."؛ "أعتقد أن هناك سيناريوهات قد يذهب إليها هذا الفعل المستمر..".. كلام من هذا القبيل، لاشك كان يغيظ الواقفين في الصف المناوئ، صف علي صالح. وكأن الثورة بدأت تطوقهم عند كل ظهور.
 
أتاحت الثورة الشبابية فرصة الظهور لكثير من الوجوه الجديدة. كان الأمر محمساً حين نسمع مذيعة جميلة ترحب: "معنا من صنعاء القيادي في الثورة..."؛ "معنا من عدن القيادي..."؛ .. لأول مرة نسمع مثل هذه النعوت على شبان نعرفهم، بعد أن كانت الصفة لصيقة بمن يعمل في مناصب إدارية في نظام صالح.
 
كان هؤلاء الشبان يمثلون حلماً يتحدثون عنه، وتسمعهم الخيام بلهفة وزهو. وعندما تتلقف صدورهم الرصاص الحي، كان معظمهم يبكون، وكلهم قد حفظوا: "الثورة فعل مستمر".
 
هل هذا هو معناها؟ مهما كان جميلًا، لم أعد أطيقه. أطيق التعريف وليس الثورة وفعلها. لقد استهلكناه كثيراً، صار مثل اللبان الذي يفقد حلاوته كلما لكناه.
 
لا أعرف صاحب التعريف؟ وهل انطلق من التاريخ السياسي والاجتماعي للشعوب، أم كان في لحظة كيف؟ أراد أن يدلل كل ما رآه وسمعه على طريقة من عرف الاسمنت، ليراهن أبناء القرية: هو عبارة عن تراب مطحون بلون يميل للأخضر، وراح يعرف كل شيء بأنه "عبارة عن"..
 
معنى الثورة لا يمكن تحديده. ذلك أن المعنى كامن في أحلام الثائرين.
إذا كان معناها: إزاحة سلطة قديمة وإحلال سلطة جديدة، فقد حققت أهدافها إذن. وهذه الجزئية يمكن الرد بها على من يقول إنها ليست ثورة.
 
لقد وصلت إنجلترا إلى "الثورة المجيدة" بعد 470 سنة، تقريبا، من اعتماد وثيقة "الماجنا كارتا"، الميثاق العظيم الذي قوض سلطة الملك.
 
الملكية مازالت مستمرة، نعم. الفائدة من إقحام هذا الاستشهاد للنظر لاستفادة صالح من الثورة، وتجميع السلطة كلها في قبضته، ثم ظل سنوات طويلة يوهم الناس بحكم محلي واسع الصلاحيات، وأحيانا كامل الصلاحيات..، إلى أين وصلوا بهذا المشروع؟ لا ندري.. !!
 
الثورة المجيدة في إنجلترا، كانت في القرن السابع عشر. هذا المعنى اكتمل بما سُمي "إعلان الحقوق"؛ نظروا في مظالم النظام القديم، ووضعوا اشتراطات على الملك الجديد..
 
هذا ما كانت تذهب إليه ثورة الشباب، وكل ثورات بلدان الربيع العربي، قبل القيام الممول للثورات المضادة.
 
طبقًا لهذا، هل سيقول الحوثيون إنّ نَكبتهم ثورة؟
 
فلينظروا إذن إلى بعض ما تضمنه إعلان الحقوق في ثورة إنجلترا المجيدة، وفي نظام ملكي في القرن السابع عشر: "حق الملك في التاج، مستمد من الشعب وليس من الله". يعني التخلص من خرافة "الحق الإلهي في السلطة". المبدأ الذي تعمل به الحوثية في اليمن وجيش الرب في أوغندا !!
 
لهذا السبب، وبشكل أو بآخر، إن مواجهة الانقلاب الآن امتداد طبيعي للثورة.

والطبيعي لأي ثورة أن تحصل على حلفاء جدد يرونها غير ذلك، وتخسر أصدقاء جدد قاموا باستغلالها.
 
ما اشتيش أقول إن الثورة فعل مستمر..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر