قبل أن يرى عام 2018 النور، كان عدد من اليمنيين ينظر إليه كعام جديد قد يحمل معه تحقيق جزء من تطلعاتهم وآمالهم في عودة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، كمدخل لإنهاء معاناتهم وأوجاعهم المستعصية على النسيان، لكنه كان رقما جديدا في عدّاد المأساة المستفحلة في الجغرافيا اليمنية، ولم يزدهم إلا عبئا زمانيا ومكانيا، وضاقت الأرض باتساعها على تطلعات اليمني، مثلما ضيّق الأشقاء على اليمني داخل أرضه، واستباحوها بدعوى حمايتها والحفاظ عليها.
 
هل هناك ما يستحق الاحتفاء بقدوم عام أو ذهاب آخر؟ سأتجاوز مسألة التهاني والتبريكات بمناسبة غربية لا تمت إلينا كمسلمين بصلة، وسأتحدث عن شعور اليمني الذي أذله الدهر وتكالبت عليه الأيام والدول، وخذله الأشقاء في معركته المصيرية، وتآمر عليه العالم من أجل إخضاعه لعصابة صغيرة امتهنت القتل منذ نشأتها، هذا اليمني الذي اختزل أمنياته في وجبة طعام تسد رمقه أو خيمة محصنة يأوي إليها عند اشتداد البرد، هل يهتم كثيرا لبداية عام أو نهايته، فضلا عن أن يحتفي به؟
 
إن كان هناك من مناسبة تستحق الاحتفال، فلن تكون إلا بتقديم العون لملايين المعذبين، وإدخال السرور إلى قلوبهم المنكسرة، والوقوف إلى جوارهم في مواجهة الجوع والنزوح والحصار والبرد والمرض والاعتقال والتعذيب، هذا هو الاحتفال الحقيقي وما عداه يبقى احتفالا مشوها، يطرب فيه البعض على أنقاض دولة، وأوجاع شعب كريم.
 
كانت الحرب مشروعا لإنقاذ البلد، واستبشر الناس بانتهاك سيادة البلد في سبيل الحفاظ على ماتبقى من عذرية الدولة المغتصبة، لكن المنقذ تحول على حين غرّة إلى قوّاد يمارس هوايته في إغواء المدن وتجويعها وانتهاك جغرافيتها، ومنع الدولة من ممارسة سلطتها، بل حوّل البلد إلى معتقل كبير، تتفرخ على امتداده معتقلات صغيرة، يمارس فيها من العذاب مالا عين رأت ولا خطر على قلب بشر.
 
الوقت نعمة الإله عندما يكشف في كل ثانية تمر منه، زيف ادعاءات الأشقاء، ويظهر أنيابهم المكشرة بالطمع، وخلال 2018 برزت الرغبة الإماراتية الجامحة في السيطرة على الأراضي اليمنية مثلما حدث في سقطرى، ومصادرة القرار السياسي والعسكري للدولة المنهكة وسأسرد مثالين على ذلك، الأول دعم الإمارات ورعايتها لمحاولة انقلاب عدن في يناير، والثاني التحكم بمسار معركة تحرير الحديدة، وإيقافها مرتين، مما أفرز مأساة إنسانية تمثلت في نزوح وتشريد نحو 500 ألف مواطن وفقا لبيانات أممية، بالإضافة للممارسات الصبيانية للإمارات في تعز ومحاولة إشعالها من الداخل، وهذه حدثت كلها خلال العام 2018، وربما هذه الأحداث تمنح المتابع بصيص ضوء يتطلع من خلاله إلى ما يمكن أن يحدث في العام الجديد.
 
خلال العام 2018، أعادت العصابات الانقلابية ترتيب أوراقها بدعم غربي، مستغلة أخطاء جسيمة ارتكبها تحالف دعم الشرعية، وواصلت عملياتها الإرهابية بحق اليمنيين في أكثر من مكان، وضيّقت عليهم سبل العيش، بينما انشغل التحالف بمشاريعه الخاصة التي أنهكت المواطن اليمني، وسمح للحوثيين بترتيب صفوفهم لدرجة تمكنوا فيها من فرض رؤيتهم في أول مفاوضات حقيقية مع الوفد الحكومي، في العاصمة السويدية ستوكهولم، ومن يدري، ربما يكون العام 2019 عاما حوثيا بامتياز يتمنكون فيه من ممارسة السلطة بغطاء شرعي بعيدا عن الغطاء الانقلابي!
 
يعيش اليمن مأساة حقيقية، وفي ظرف كهذا يصبح الزمن قيمة إنسانية، وإذا كان الحوثيون عصابة لا تهتم مطلقا بالكارثة الإنسانية، فهل تعامل التحالف بنخوة العربي الأصيل، مع معاناة اليمنيين، كونه جزءا من هذه الحرب، ووفر لهم الغذاء والدواء والمأوى خاصة وأنه ساهم في تجويعهم وحصارهم وقصف ممتلكاتهم؟ الجواب موجود ضمن الإحصاءات التي ترد تباعا وتكشف تصاعد حجم المأساة الإنسانية لتشمل مناطق جديدة وضحايا جدد مع مرور الوقت.
 
وهنا أود الإشارة إلى ما أوردته منظمة العمل على مكافحة الجوع قبل بضعة أيام، عن لجوء "عائلات يمنية إلى حرمان بعض أفراد الأسرة من الطعام، لإطعام آخرين، بسبب نقص الغذاء" ولعل هذا الخبر يجسد طبيعة الحالة المأساوية التي وصل إليها المواطن اليمني خلال العام 2018.
 
بحسابات الإنسانية، لا يوجد ما يدعو للاحتفال برحيل عام وقدوم آخر، طالما بقي الحال على ماهو عليه إن لم يكن قد تبدّل للأسوأ، وبلغة الحسابات الواقعية، فإن عام 2018 ليس إلا انكسار رهيب عاشه اليمنيون على هيئة سلسلة من الأيام والليالي بحرّها وبردها، وفصولها الأربعة.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر