لن يغلق "السيرك" قريبا


نور ناجي

  لا أسرار في اليمن، ابتداءً من مشاكلك الزوجية التي تعلو وتيرتها بارتفاع قائمة دين صاحب البقالة، حتى معاهدات ترسيم الحدود وبنودها التي يدّعي الغالبية عدم معرفتهم بتفاصيلها!..
 
كانت ومازالت هذه الأرض مفتوحة ككتاب، لا ينقصه سوى لمسة أنامل رقيقة على صفحاته لقراءة حقائقه واتفاقاته السرية وتحالفاته. ستدهش حين تعلم أن جرائم اغتيالاته الخفية لم تمنح صفة المجهول لفاعلها مطلقاً..!
 
لقد كان انعدام فضولك ولا مبالاتك الباردة، هو القناع الذي ارتديته عن طيب خاطر لتخفي ما يحاك لواقعك أنت شخصياً. باطمئنان خاطئ أقنعك بأن جميع المكونات السياسية راضية بأداء دورها وبمقدار مكاسبها. فلا جديد وكل شيء باق على حاله، للأبد..
 
لماذا يجهد أحدهم نفسه للتخفي في بلد مفتوحة؟!، أتفق على ذلك سياسيو البلد الذين لم يكونوا بحاجة لدهاليز سرية أو طلاسم خفية. مجرد سيرك متجول أو مسرح بتكاليف بسيطة سيفي بالغرض، وقد كان.
 
تبادل الممثلون على خشبته الأدوار بكل سلاسة، واستعرضوا قدراتهم البلاغية ومهاراتهم القتالية. بالإضافة لتهديدات مبطنة- إن دعت الضرورة- أمام جماهير الشعب الهاتفه: ما أجمل هذا المنظر، يبدو رائعاً من هنا !! ..
 
حتى انطلقت الرصاصة الأولى، لتعلن عن تجديدات عروض للسيرك. انتشرت اللافتات في كل الزوايا، وضجت وسائل الإعلام عن استعراضات لا مثيل لها؛ سترضي فقراتها جميع الأذواق. هذا ما روج له المتحدثون باسم الحرب والممولين من الخارج.
 
كنا كشعب قد تأقلمنا مع السيرك. لم تكن إقامته الدائمة غريبة بعد أن استولى علينا مبكراً. وإن انحصرت أيام ازدحامه على مواسم الانتخابات والازمات السياسية..
 
لذلك، لم تجد الجماهير عذراً يمنعها عن قطع التذاكر، وهي تردد عبارة الفنان يوسف وهبي: "وما الحياة إلا مسرح كبير". ربما كان انقطاع الكهرباء هو الذي جعلها تنسى نمط حياتها اللامبالي. أو أن الحرب بحملها الثقيل اجبرها على عبور بوابة العرض، أملاً في البحث عن بوادر خلاص..
 
استماتت الجماهير لانتقاء أقرب المقاعد من أجل مشاهدة ممتعة. وارتفعت هتافاتها المتحمسة دون أن تدرك أن تذكرة الدخول المجانية لا تحمل تأشيرة مغادرة. وما أن أطبقت عليها المقاعد، حتى غدت جزء أساسيا من العرض، وأهداف سهلة لنيران الحواة التي لا تفرق بين الدماء الحية والاصباغ .. 
 
حين يشعر كل ممثل ومؤدي بأنه النجم الأوحد والمتفرد، لن يوقفه شيء عن وجوب امتلاك الساحة والسيطرة عليها. لذلك، ما أن انطلقت اشارة البدء، حتى تفاجأت الجموع بإصرار "نجوم العرض" على أداء فقراتهم دون مراعاة للفوضى واختلال النظام..
 
ليس من السهل متابعة فقرات منتهية الصلاحية. وفي آن واحد، لن تبتسم لأداء المهرج وجودة نكاته، بينما تقاطعه المعارك الحربية، بين الحين والآخر، بلكمة في فكه أو ركلة على مؤخرته. لا قيمة للشعارات الرنانة وجدال المفاوضات، وقد تفوقت عليها الضحكات الماجنة لأشباه الراقصات الذين ملأوا المكان!
 
لا مجال أمامك لاكتشاف خداع السحرة، بينما تتجول الحيوانات المتوحشة بزئيرها الذي لم يترك للفرقة الموسيقية مساحة لاستخدام آلاتها.
 
لن يغلق السيرك قريباً ..
 
لم تكن فقرة المهراجا، الذي رقصت الجماهير على أنغام عدالته، سوى البداية. ولن تكون فقرة الوعود المسمومة، التي توزع بالمجان، مقنعة. سيبقى العرض سارياً بألاعيبه ومغامراته، وخداع سحرته ومهرجيه، وإن افترض الوقت وجوب إسدال الستارة!
 
لن تختم هذه الكوميديا المجنونة نفسها، حتى تبتلع المسرح بعروضه وجماهيره الصامتة، ولا داعي لاستنكار ذلك، فنحن من قرر ابقاؤها منذ البداية، بهتافاتنا التي مازلنا نطلقها من زاويتنا المريحة: "ما أجمل المنظر من هنا، لولا الحاجة لقليل من التعديل" !! ..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر