أربع سنوات مضت، ولا يزال اليمنيون يدفعون ثمن سقوط العاصمة صنعاء بيد العصابات الحوثية في 21 سبتمبر/أيلول 2014. جريمة تورطت بها أقلية بمساعدة داخلية وخارجية، ليجني تداعياتها الكارثية ملايين المواطنين.
 
وفق حسابات الواقع والمنطق، فإنه يصعب على جماعة صغيرة أن تسيطر بمفردها على عاصمة الدولة ومؤسساتها المختلفة في غضون أيام قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. بينما عجزت ذات الجماعة عن السيطرة على منطقة جغرافية صغيرة في ضواحي صعدة، مع وجود فاصل زمني بين العمليتين لا يتعدى السنة. وهي فترة غير كافية لإحداث الفارق الهائل في التدريب والتسليح والسيطرة الميدانية. بيد أن ثمة حسابات داخلية وإقليمية ضيقة تجاوزت الواقع والمنطق بمراحل، كانت كفيلة بإحداث انتكاسة حقيقية؛ بدأت بدماج ثم عمران، ولم تتوقف عند حدود صنعاء، بل تعدت المنطقة اليمنية إلى دول الجوار..!
 
الرغبات الآنية، والانتقام غير المدروس لجهات سياسية ودول مجاورة، لعب دورا محوريا في دفع مجريات الأحداث باتجاه إسقاط العاصمة صنعاء بيد الميليشيا الحوثية لتحقيق أهداف مشتركة، تمثلت في القضاء على حزب الإصلاح، وإعادة رسم المشهد السياسي بما يؤدي إلى الخلاص من ثورة فبراير وعودة النظام القديم.
 
إسقاط صنعاء، إذا، لم يكن هدفا في ذاته لهذه القوى، بقدر ما كان وسيلة فعالة لتحقيق جملة من الأهداف، وفقا لمنطق هذه القوى التي توزعت داخل وخارج الجغرافيا اليمنية.
 
خارجيا؛ سعت الإمارات والسعودية لوأد مخرجات الثورة اليمنية، في إطار سياسة عامة تهدف للقضاء على الثورات الشعبية العربية، وتمكين قوى الثورة المضادة، والتخلص من القوى الإسلامية التي شكّلت ثقلا شعبيا رئيسيا في إسقاط الأنظمة الاستبدادية.
 
 فبعد تمكين قوى الثورة المضادة في مصر وليبيا، كان القضاء على الثورة اليمنية، والخلاص من حزب الإصلاح في اليمن، المحسوب على الإسلاميين، هدفا رئيسيا للإمارات والسعودية، باعتباره يمثل ثقلا كبيرا في صف الثورة الشعبية. ولم تجد الدولتان مشكلة في تمكين ميليشيا الحوثي الموالية لطهران في سبيل القضاء على حزب الإصلاح ووأد مخرجات الثورة الشعبية.
 
داخليا؛ التقت الرغبة الإماراتية-السعودية في تمكين الثورة المضادة والقضاء على حزب الإصلاح، مع رغبات قوى سياسية في الداخل. فحزب المؤتمر، بقيادة الهالك صالح، ظل موقنا أن الإصلاح هو من تسبب في إشعال الثورة وإسقاط النظام. وبالتالي عمد إلى تقديم الدعم العسكري وتوفير الغطاء السياسي للحوثيين، للانتقام من قوى الثورة وتقديم نفسه كمخلص في مرحلة لاحقة.
 
 أما الحوثيون؛ فوجدوا في حزب الإصلاح خطرا كبيرا على مستقبلهم العسكري الآخذ بالتوسع؛ كما هو أيضا وجبة إعلامية مقنعة لتسويق تحركاتهم التوسعية. أما بعض قوى اليسار- ومنها المحسوبة على ثورة فبراير- فلم تختلف رغبتها عن نظيراتها في مصر وتونس وليبيا. لذلك، لم يكن مستغرباً أن تتبنى رواية الحوثيين في صراعهم مع الجيش اليمني في محافظة عمران، والتي حصرت المعركة بين الحوثيين وحزب الإصلاح. بل سارع أحد قادة اليسار، أو محامي الشعب كما يسمي نفسه، إلى اعتبار ميليشيات الحوثي قوة صاعدة، وليست عصابة انقلابية.
 
إسقاط صنعاء، وإعادة رسم المشهد السياسي والعسكري، كان هدفا رئيسيا أيضا للأمم المتحدة، التي لعبت هذا الدور عبر ممثلها جمال بن عمر. الشخصية التي سهلت تحركات الحوثيين، ووفرت لهم غطاء أمميا، وتعاملت مع قيادات الحركة كحركة سياسية مشروعة، كـ"سلطة الأمر الواقع"، لا ميليشيا انقلابية مسلحة خارج إطار الدولة والعمل السياسي.
 
الموقف الرسمي، أيضا، كان متماهيا مع تلك الرغبات الداخلية والخارجية، في ضرورة إعادة رسم المشهد السياسي وتوازن القوى. إذ وجد الرئيس هادي، ومحيطيه، أن اندلاع مواجهات مسلحة داخل صنعاء بين الحوثيين وحزب الإصلاح، أمرا جيدا للتخلص من قوة عسكرية وأخرى سياسية. وبالتالي؛ التخلص من سلطة التوافق المفروضة عليه في إطار المبادرة الخليجية. وهو ما يفسر موقفه المتواطئ مع الحوثيين منذ بداية صراعهم مع الجيش ومسلحي القبائل في عمران ومحيط صنعاء.
 
ومع حلول مساء الـ21 من سبتمبر 2014، تبيّن الجميع أن حساباتهم كانت خاطئة. لا سيما بعد أن اتخذ حزب الإصلاح خطوته الذكية، بتجنبه خوض مواجهة عسكرية كان الجميع بانتظارها. لينجو من ضربة كبيرة أعدت بعناية لاجتثاثه. وهذه الخطوة وضعت الجميع أمام مسؤولية كبيرة لم تكن في حساباتهم الضيقة.
 
نكبة صنعاء كشفت حقائق مريرة، لكنها كانت ضرورية ليطلع اليمنيون على حجم المؤامرة. فمن كان يتوقع أن يقف قطاع كبير من الجيش وقياداته العسكرية في صف الحوثيين، ويمهد دخولهم إلى مؤسسات الدولة؟؟ بل إن وزارة الدفاع أعلنت في بيان عبر موقعها الإلكتروني دعمها للانقلاب وأسمته "ثورة الشعب"!
 
لقد كانت نكبة للجيش اليمني، الذي تخلى عن واجبه في الدفاع عن الأرض والشعب، وحماية مكتسباته..!! وكانت نكبة للسلطة القائمة والأحزاب السياسية، وهي توقع على اتفاقية السلم والشراكة المزعومة برعاية أممية، على وقع تهاوي مناطق العاصمة ومؤسسات الجمهورية..!! وكانت أيضا نكبة لدول الجوار، التي تورطت في مؤامرة لا يزال اليمنيون يعانون حصادها المر حتى يومنا هذا؛ وكانت نكبة لليمنيين جميعا، وهم يشاهدون تهاوي دولتهم ومؤسساتها في غضون ساعات من الزمن..!!
 
نكبة صنعاء، كانت اللبنة الأولى لما بعدها من الانتكاسات، وتسببت تداعياتها بمآس لا حصر لها. وتلك خطيئة السياسة عندما تمارس بخبث لتحقيق نزوة انتقامية.
 
 وكل الأحداث التي وقعت بعد هذه النكبة، كسقوط دار الرئاسة وإعلان الانقلاب وعاصفة الحزم وما تلاها من أحداث، إنما هي امتداد طبيعي لنكبة صنعاء، التي أفرزت واقعا مأساويا جديدا يصعب الفكاك منه، في ظل خذلان وتآمر الحلفاء، وتواطؤ أنظمة عسكرية واصطفافها مع العصابات الانقلابية في مواجهة الشعب.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر