"واحدية الموقف" بين الأمس واليوم


همدان الحقب

  كانت أهم عوامل قوة الثورة، هي واحدية الموقف، الذي تشكل بفعل أدوات تأثير مارستها كيانات واعية بمفهوم الثورة ودور السياسة في التمهيد لاندلاعها، ومحاولة إيصالها إلى آخر محطاتها بأقل كلفة، وبما يجنب اليمن خطر الانزلاق إلى الاحتراب الذي وقعنا ضحيته نتيجة للانقلاب على الشرعية التوافقية.
 
 كانت المبادرات تتدفق بالمئات يوميا، ومن قِبَل أكثر من كيان أو قوة سياسية، وكان الشباب يتلقفون أجمل ما في هذه المبادرات ليضيفوها إلى ما راكموه من تصورات ورؤى حددت مسارهم الثوري، فضلا عمّا راكموه من خبرات عملية لمنازلة وسائل القمع التي كان النظام يسعى لوأد الثورة وإزالتها من خلالها. استطاع الشباب أن يديروا خلافاتهم بهدوء، دون أن تؤثر الخلافات على الجوهر المتفق عليه، والمتمثل بالسعي لتشكيل موقف ثوري يتجاوز الكيانات والفرز.
 
 هذا طبعا، إذا ما استثنينا تلك الكيانات التي التحقت بالثورة ولم تكن تؤمن بها، أو تبحث عن مكانها في سياق وطني يمثل رافعة لحقوق وتطلعات كل أبنا الوطن، وعلى رأس هذه الكيانات جماعة الحوثي، التي ظلت تعمل، طيلة بقائها في ساحة التغيير بصنعاء، على استهداف وحدة صف الثوار وتماسكه.
 
الثوار بحاجة إلى فتح قنوات للتواصل والحوار، وتحديدا الشباب، المستقلين منهم والحزبيين على حد سواء، كونهم قادرون على أن يتجاوزوا خلافات الأحزاب، التي أثبتت خلال المرحلة المنصرمة- منذ انتهاء الحوار الوطني وحتى اليوم- أنها عاجزة عن إعادة بناء تحالف جديد يوحد جهودها لدعم الشرعية، وتعزيز قدرتها على فرض سيطرتها، والقيام بمهامها التي تقتضيها المرحلة. فضلا عن كونهم- الشباب أيضا- قادرون على التواصل والتفاهم مع الآخرين، الذين شاركوا بفاعلية في الثورة، ولم يكونوا مؤطرين في قوة سياسية معينة.
 
الأحداث الأخيرة، نسفت واحدية الموقف الذي تشكل في الساحات، وأحدثت حالة من العزلة بين الثوار. فاليوم لدينا  جُزُر ثورية كثيرة، تحتاج من يربط بينها بجسور الحوار، وإعادة توجيه وتوحيد الخطاب الثوري.
 
 يمكنك أن ترى على مواقع التواصل الاجتماعي- وحتى في جبهات المقاومة- أثراً واضحا لذلك الكم الهائل من شباب اليمن الذين تدفقوا إلى الساحات واستمروا مستميتين في المضي بالثورة حتى أسقطوا رأس النظام، ووضعوا اليمن على طريق جديد.
 
 والفرق بين حالهم اليوم، وبين الأمس- أيام ذروة الثورة السلمية- أنهم باتوا، كما أسلفنا، جزرا معزولة، وحبات عقد منثور؛ لم يعد هناك ما ينظم جهودهم، ولا حتى يوحد خطابهم. بل، ونتيجة للإحباط الذي تسرب بفعل بعض ممارسات دول التحالف وأداء الشرعية الضعيف، صار الكثير منهم أشبه بشللٍ مستقطبة في معركة أكبر من اليمن، ويستهدف بعضهم بعضا...!!
 
لا أحد يعرف متى ستضع الحرب أوزارها، وعلى أي قاعدة؟ وبما أن الحرب في اليمن، أخذت شكلا من أشكال الصراع الإقليمي والدولي، فأن بعض هذه القوى ستستمر في تقوية الأطراف والكيانات المعادية للثورة والشرعية، ولن تسمح بانتصار الثورة نصرا كاملا. وعندها، إذا ما شرعنا في أي تسوية سياسية، فسنجد أنفسنا مضطرين، أو قل مجبرين على "لبننة" اليمن.
 
 حينها، سندرك أننا في مرحلة تشبه الغفلة وطغيان روح الانتقام، توقفنا عن تقديم المبادرات، وإنتاج الأفكار التي تحول دون تمزيق النسيج الاجتماعي، وهدر فرص توحيد قوى الشعب الحية المناهضة للانقلاب. عندها، ستتخلق القناعة أنه لا بد من تركيب مشروع نضالي شعبي يخرج اليمن من مربع التحاصص والتقاسم، واستعادة السيادة والقرار الوطني المسلوب. وهو دور، يُلِح علينا أن نراهن مرة أخرى على قدرتنا في بناء تيار وطني قادر على تفادي كل الأسباب التي أضعفت قوى التغيير خلال المرحلة الماضية.
 
واضح جدا أن لا أحدا يريد أن تحل قوى ثورة فبراير بديلا عن النظام السابق؛ وبالتالي سيستمر العمل الساعي إلى استعادة عناصره، وتمكينهم من العودة لحكم اليمن متفردين، وسيسندونهم بتحالفات جار العمل على بنائها وتغذيتها، لتكون موازية للقوى الوطنية التي ناضلت- ومازالت- في سبيل تغير اليمن بالشكل الذي حلم به الشعب، وعبَّرَ عن إصراره على تحقيقه بثورته السلمية ثم بمقاومة الانقلاب.
 
 أقصد؛ أيً بلغت خلافاتنا، ككيانات وقوى ثورية، إلا أننا سنجد أنفسنا دائما على أرضية واحدة، مضطرين لكسح كل هذه الألغام التي جرى ويجري زرعها في طريق الثورة.
 
فلنجرب أي مبادرة تسعى للحد من الاستهداف المتبادل داخل قوى الثورة إعلاميا، والعمل على إعادة بناء وتوحيد الخطاب ليكون مقدمة لتحالف شبابي واسع، يكون الأكثر امتدادا وتماسكا على مستوى اليمن، وقادر على اقناع الجماهير بأن تُلقي بثقلها في إطاره لتخليص اليمن من مغتصبيها.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر