تمرد خروف


نور ناجي

 لم تعد أضحية العيد تشكل مشكلة بالنسبة للشعب اليمني، "لقد حاربنا الغلاء بالاستغناء" كررت العبارة في نفسي وانا أعبر أمام محل الجزارة الممتلئ بالأضاحي والمكتظة بها شوارع المدينة.
 
شعرت باعين تلاحقني حين وقفت لأتسوق من محل الخضار، تجاهلتها بعدم الالتفات حتى يمل صاحبها، إلا أن ذلك التحديق استمر مما جعل الفضول يدير رأسي عنوة باتجاهها.
 
لم يكن عابراً كما ظننت، قرنان قويان على رأس خروف بفرو اسود يتكئ على جدار محل الجزارة يحدق نحوي ببرود لا مبالي...! لا ينقصه سوى خنجر في يده ليبدو كمجرم استطاع الإفلات من المحاكمة وراح يبحث عن ضحيته الجديدة...!
 
تأكدت من وجود حبل يربطه، على الرغم من عدم ثقتي في أن أي حبل قد يستطيع الوقوف أمام رغبته إن أراد ذلك ونواه...!
 
انا هنا أمام حالتين لا ثالث لهما: إما أن أحدهم سرب للخروف نسخة من فيلم الخيال العلمي "Black Sheep"؛ وإما أن الأعراض النفسية المرافقة للحرب اصابته !!
 
لا أحد يستطيع إنكار التغييرات التي أصابت الأنفس نتيجة الحرب؛ هرم انكفأ على قمته، مغيرا الكثير من المفاهيم والقيم، جعل من اللصوص قادة، والشرفاء يقتاتون من أوجاعهم وصمتهم. لن تعجب حين ترى أن بعض أسود البشر لم يعودوا أُسوداً، حتى حملانه تمردت ولم تعد سهلة الانقياد، كالسابق !!
 
تُحدِثُ الحروب فجوة في قاع انفسنا بين الماضي القريب والحاضر، يتخذها الحزن مقراً له، لا يلبث أن يتحول إلى شعور لا مبالٍ، فض، إن لم يجد ما ينتقم منه، يقتات منا...!
 
هل امتد تأثير هذه الحرب إلى سلوكيات الحيوانات فتوحشت هي الاخرى لتبدأ عملية ثأر عشوائية ضد بني البشر؟!
 
حاولت سبر أغوار الخروف الذي أرخى جفنيه بنظرة ميتة. أستطيع تفهم نفسيته، وهو يستعيد من ذكرياته ما يعتقد أنها مجزرة وقعت على أسلافه؛ يساقون إلى الذبح جيلا بعد آخر، إرضاء لشهيتنا ونزواتنا. لكن ذلك لا يعني أن يضعني أنا نصب عينيه كانتقام مرض له !!
 
 لم أكن يوما من محبي لحوم الخراف. فضلت على الدوام لحوم العجول عنها. نفضت الفكرة سريعاً من بين خلايا عقلي، حتى لا تصل إلى العجل الذي يهز ذيله بغباء، غير مكترث للمعركة الوشيكة بيني وبين الخروف ..!
 
حاولت فتح نقاش معه؛ يجب أن يفهم أن الشيطان يكمن في التفاصيل، وقد حان الوقت لتجاوز تفاصيل الماضي. ما مضى لم يعد مهما، ولن يستفيد من اجتراره بعد أن فصلنا عنه بمساحة تتسع كل يوم عن الاخر. اعلم أنه يريد أجوبة مريحه لأسئلته، ولا أعلم يقيناً لماذا اختارني دونا عن بقية من في الشارع لأجيبه عليها...!!
 
بالكاد، التقطت انفاسي بعد أن اجتاز الخروف الحد الفاصل بين التهديد الصامت والفعل، وقد نفض عنه تكاسله وضرب الأرض بحوافره في حركة تدل على هجوم وشيك..
 
أغمضت عيني انتظارا لقدري، الا أن وقت الهجوم تأخر !! لم أكن قد انتبهت- في خضم معركتي- إلى صوت الطائرة المحلقة في السماء، حتى أعدت بصري للمهاجم، متسائلة عن سر تباطؤه، لأجده يحدق في السماء قبل أن يعيد نظره إليّ وقد استبدل نظرته الشريرة بأخرى لا تعابير لها...!
 
تركت المكان مهرولة قبل أن تختفي الطائرة. هل أخافه صوتها وأعاده إلى جادة الصواب؟!، أم أن مرورها جعله يعيد التفكير ملياً في أسباب انتقامه؟ أي خروف عاقل، لن يلطخ يده بجريمة بائسة، بينما يقوم البشر بذلك نيابة عنه...!!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر