التمرد على الدولة


ياسر عقيل

المواقف الرمادية التي تظهر مع كل صراع بين الدولة والجماعات والفصائل المسلحة والتي تتخذ ذرائع ومبررات مستهلكة، تجعل مننا نعيد النظر في النخبة الهشة الفاشلة في اليمن خلال السنوات الماضية، والتي لم تنجح في صناعة وعي مجتمعي متقدم او حتى حماية نفسها من العبث التي تنتجه حاله التراخي واللاموقف مع الميلشيات.
 
في العام 2014 كانت الحرب تدور في محافظة عمران بين اللواء 310 يقوده العميد حميد القشيبي مع الحوثيين والذي كانوا قد خاضوا حرب قبل ذلك مع السلفيين وآل الأحمر، كان كثير من المثقفين والصحفيين يتحدثون حينها عن صراع بين القوى التقليدية (أي حزب الإصلاح، والحوثيين) وكان مطلب الحوثيين حينها تغيير محافظ عمران والعميد القشيبي، ولقي ذلك المطلب رواجاً في أوساط النُخب اليمنية الفاشلة، لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
 
سقطت عمران وقتل "القشيبي" وعلى كتفية طير الجمهورية اليمنية ويرتدي الزي العسكري، قاتل عن شرف الجيش وعلى قداسة رتبته العسكرية التي نالها بشرف الجندية وعزم القائد الصلب، سقط قتيلاً بعكازته عندما انقطعت جميع السُبل للنصر وتعرض للخذلان الكبير في ذلك اليوم الأسود من تأريخ اليمن والذي لا زلنا ندفع ثمنه إلى الآن في حرب طويلة تمتد للعام الرابع على التوالي، وتتعامل النخبة السياسية بنفس الطريقة.
 
بعد أن سيطر الحوثيون على عمران لم تصمد حينها صنعاء عاصمة اليمنيين، كانت بنادق الحوثيون تطرق أبواب المدينة المحصنة بالجيش العاري من القيادة الشجاعة التي فشلت حينها في فرض قوتها، وفي نهار 21 سبتمبر 2014 دخل الحوثيون صنعاء وأسقطوا كل مؤسسات الدولة بقوة السلاح والخذلان والخيانة التي تعرضت لها الدولة، وحينها انكشف كذب الشعارات الزائفة وتحليلات الصحف والمثقفين الذي أصموا آذاننا بالمدينة ومناهضة العنف واستخدام السلاح للوصول للسلطة.
 
تتكرر نفس المبررات الآن مع كل معركة تحدث بين الجيش والفصائل المسلحة التي تكونت خلال سنوات الحرب الماضية، وحدث ذلك خلال معركة قوات الحماية الرئاسية مع فصائل المجلس الانتقالي الجنوبي في مطلع العام الجاري، وما يحدث حالياً في مدينة تعز من قتال بين قوات الجيش وفصائل تتيع قيادات سلفية تحولت إلى مجاميع منفلته عن النظام والقانون وتمارس الإرهاب وتسيطر على أحياء ومناطق غير مكترثة للدولة التي هي فوق الجميع في بسط سلطتها.
 
لا يمكن القبول بمساواة الدولة والجيش بعصابات مسلحة منفلته أياً كانت سلبيات القيادات العسكرية في مدينة تعز، مادام أنها مرتبطة بقيادات عليا تستطيع التصرف معها بالقانون، وأي مسؤول عسكري أو مدني بالإمكان إقالته من منصبة بكل سهولة، لكن الفصائل المسلحة من الصعب التعامل معها لأنها لا تعترف بسلطة الدولة وترى نفسها أكبر، لذا كل المبررات التي تسوقها بعض الأطراف لقتال الجيش غير منطقية وتعد مساندة لاستقواء الميلشيات على الدولة.
 
من يتمرد على الدولة ويرفع السلاح بوجه قوات الجيش لا يمكن أن يصنع شيء مستقبلاً سواء القتل والخراب والوصاية على الناس بقوة السلاح لأنه الوسيلة الوحيدة التي يستطيع التعامل بها فقط، وما تمارسه العصابات المسلحة في تعز هو ضمن مشروع التخريبي الذي يجري في البلاد ومن الضروري التعامل معه بحسم سريع لإيقاف نزيف الدم وردع كل الميلشيات التي تفكر بممارسة العنف وفرض سطوتها بالقوة.
 
السلفي "أبو العباس" مُصنف ضمن القيادات الإرهابية في عدد من الدول المجاورة وهذا مبرر لإيقاف تمدد المسلحين التابعين له وإخضاعهم لسلطة الدولة بالقوة، وإذا كان هناك اختلالات في قيادة الجيش بالمحافظة فهذا يرجع إلى الرئاسة وقيادة الجيش ليتم التعامل معهم وفقا للقانون، أما صناعة مبررات ساذجة للعصابات فتلك سخافات لا تستند إلى أي مبدأ أو قانون بل هي جريمة بحق الدولة التي تتعرض للتمرد والإضعاف المتعمد.
 
مع الدولة أيا كانت سلبياتها وضد الميلشيات والعصابات الدينية المنفلتة، لأننا نعاني منذ سنوات فقدان الدولة على يد ميلشيات بمبررات مشابهة لما يحدث الآن من اتهامات بالفساد، وكأن تلك العصابات تملك مشروع بناء ومكافحة للفساد، من السذاجة تصديق تلك الشعارات التي أصبحت مملة بالنسبة لنا كيمنيين نعيش حالة حرب منذ أربع سنوات بسبب ما أطلق عليه "فساد الحكومة".

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر