بعد ثلاث سنوات ونيّف على العمليات العسكرية للتحالف العربي، أعلن الحوثيون  استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، ما دفع السلطات السعودية لإيقاف تصدير النفط عبر مضيق باب المندب بشكل مؤقت، وفي اليوم التالي لهذه الحادثة، أعلن الحوثيون استهداف مطار أبو ظبي بطائرة مسيّرة، وهو أمر لا يبدو معقولا  مقارنة بإمكانيات الحوثيين، كما إن الحادثة نفتها أبو ظبي، وأرجعت المشكلة إلى حادث عرضي بسيط تسببت به شاحنة إمداد داخل المطار.
 
الاستهداف العسكري الحوثي لدول رئيسة في التحالف العربي، وما يصحبه من حرب إعلامية كبيرة، يجعلنا نعيد حساباتنا مع طبيعة دور التحالف العربي في اليمن، وكيف أصبح عرضة للقصف الحوثي، بعد أن كان له اليد الطولى في إدارة المعركة عند انطلاقها، كما يجعلنا نبحث طبيعة العلاقة بين الحوثيين وشركائهم في طهران من جهة، والعلاقة بين السلطة الشرعية وحلفائها في الرياض وأبو ظبي، وتأثير هاتين العلاقتين على الواقع السياسي والميدان العسكري.
 
لا يزال الجميع يتذكر بيان التحالف العربي الذي أصدره عند إطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015، وأكد فيه أن العمليات العسكرية جاءت بطلب السلطة الشرعية لإعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، إضافة إلى أهداف أخرى تمثلت في تدمير المنظومة العسكرية للحوثيين، خاصة الصواريخ الباليستية، وهذه الأهداف كانت خارطة طريق يجب السير عليها، كونها تحظى بتأييد غالبية اليمنيين ممن عانوا من بطش الحوثيين، لكن تلكؤ التحالف العربي في الحسم العسكري وإطالة أمد المعركة، أتاح للحوثيين امتصاص الصدمة، والعمل على تطوير منظوماتهم العسكرية بأيدي خبراء إيرانيين، وإيجاد طرق لإيصال الدعم العسكري السخي القادم من طهران عبر مناطق تخضع للسيطرة الفعلية أو النارية للتحالف العربي، وكانت النتيجة باهظة الثمن على السعودية، ومن المفارقات أن الحوثيين قصفوا المدن السعودية في الذكرى الثالثة لعاصفة الحزم التي دكّت عشرات المواقع العسكرية التابعة لهم فيما مضى.
 
ما يزال التحالف يتلكأ ويتنصل من تحقيق الأهداف التي جاء من أجلها، وعوضا عن ذلك إنحرف عن مساره وبدأ يمارس الابتزاز على السلطة الشرعية وينازعها الصلاحيات في المناطق المحررة، وتبعثر أهداف التحالف وتشتتها، قابلها تركيز حوثي على ضرورة توجيه ضربات عسكرية للعمق السعودي، واستثمارها في إظهار الحوثي كقوة عظيمة لم تفلح دول في القضاء عليها، وهذا تتحمل مسؤوليته الرياض وأبو ظبي، كونهما المسؤولتان عن عرقلة الحل العسكري وتقويض السلطة الشرعية عبر مسمى التحالف والشراكة.
 
عند المقارنة بين تعامل إيران مع الحوثيين وتعامل التحالف العربي مع الشرعية، نجد اختلافا واضحا، فإيران تدرك جيدا إن الحوثيين ليسوا سوى أحذية تنتعلها حين تشاء، والحوثيون يدركون ذلك أيضا، ومع ذلك فإن إيران تبذل كل ما بوسعها لدعم الحوثيين باعتبارهم حلفاء لها، ولاتهتم بمنازعتهم وتقليص صلاحياتهم وتذكيرهم بالدعم الذي تقدمه، بقدر اهتمامها بكيفية استخدامهم في تحقيق عدة أهداف بينها ضرب السعودية وإقلاق الداخل السعودي، ومن ثم تتنصل طهران وتظهر نفسها كطرف لا علاقة له بما يحدث!
 
بينما نجد التحالف العربي يمارس وصاية غير مقبولة على المناطق المحررة، ويمنع تسليح الجيش الوطني في مناطق معينة، ويوقف المعارك العسكرية متى ما أراد، وإذا ألقينا نظرة على واقع المناطق المحررة نجد الإمارات هي صاحبة القرار الفعلي في غالبية هذه المناطق، ولها قواعد عسكرية وميليشيات محلية موالية لها تعمل على تقويض الشرعية، وتعطيل العجلة الاقتصادية من خلال إيقاف تشغيل الموانئ والمنشآت النفطية، بموازاة محاولات حثيثة لفرض الوصاية على القرار السياسي اليمني، وهذا كله يحدث بموافقة سعودية الدولة الرئيسية في التحالف، وبذلك تصبح أهداف التحالف التي جاء من أجلها لا قيمة لها في ظل الممارسات العبثية لدولة الإمارات، التي شرعت في تنفيذ أجندتها الخاصة بعيدا عن مظلة الشرعية، وهذه الممارسات أظهرت التحالف العربي كدول احتلال أمام المجتمع الدولي، وعززت من موقف الحوثيين الذي يؤكد مرارا أن المعركة الحاصلة إنما هي بين قوات يمنية وجيوش عربية تسعى لاحتلال اليمن، لتصبح القضية الرئيسية قضية بين طرف محلي وأطراف خارجية بدلا عن كونها قضية انقلاب على السلطة الشرعية وتعطيل مؤسسات الدولة.
 
مما سبق نجد أن هناك تركيز حوثي لتحقيق أهداف مرسومة بدقة تتمثل في إلحاق الضرر بدول التحالف بأي وسيلة متاحة وفق تعاون وثيق مع أسيادهم في طهران، يقابلها تخبط وتشتت في استراتيجية التحالف وانحرافه عن أهدافه الرئيسية إلى أهداف أخرى تتعلق بالنفوذ والسيطرة وتصفية حسابات سياسية مع أطراف يمنية، وما لم يدرك التحالف أخطاءه الكارثية، فإنه سيعاني كثيرا، ولن يكون بمقدوره تلافي النتائج، فمن يزرع الشوك لا يجني العنب.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر