الشرعية والرهان الصعب


همدان الحقب

  كان اليمن يعيش قبل الثورة مرحلة الدولة الهشة، حسب تقارير الأمم المتحدة وأكثر من منظمة دولية راصدة لأوضاع الدول ومدى استقرارها من عدمه. التجارب تؤكد دائماً أن الحروب التي تجتاح دولا هشة تحيلها إلى حطام، وكذلك الثورات التي تجري في بلدان هكذا حالها، يصعب تجاوزها انقساماتها الحادة التي تخلق مقوماته العنف وتقودها نحوه.
 
 هذه الدول تكون أوضاعها بعد الحروب كارثية، ومسار مستقبلها محفوفاً بالمخاطر التي تنذر بعودة الحروب. فكيف إذا كانت الحرب الداخلية قد فتحت الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي، الذي حضر هو أيضا انطلاقا من مصالحه التي قد تتوافق مع مصالح الثورة من ناحية، وقد تتعارض معها في نواحٍ أخرى.. فمن يدري؟ أو كما هو جاري مع بعض دول التحالف..!
 
قرابة أربعة عقود من الحروب التي ألقت بثقلها على كاهل اليمن حتى عذبته وقطعت حبل رجاءه بغد أفضل، يكون اليمن فيه عامراً وخالٍ من نزيف الدم الحار. أربعة عقود طبعها العنف، خُتِمَتْ بثورة سلمية كادت أن تخرج اليمن من دائرة الاحتكام إليه والسيطرة على سلطة به. كانت ثورة فبراير قد وضعت اليمن على طريق جديد قائم على حيثيات ومبادئ تختلف عما أدمنه اليمنيون في خلافاتهم، لكنهم وبفعل تحالف بقايا النظام الفاسد مع الحركة الحوثية المتمردة أعادونا إلى نفس المربع المشؤوم.
 
ستنتهي الحرب يوما؛ إن بهزيمة الانقلاب والقضاء عليه، أو بتسوية سياسية تنتزع منه سيادته، وتجعل منه دولة الطوائف والمناطق، وعصبويات ما قبل الدولة. وهذا للأسف هو المشروع الذي تتبناه دول عظمى وتتضح معالمه جليا من خلال فتحها الآفاق أمام الانقلاب كلما ضاقت به السبل ودارت عليه الدوائر. إن هذه الدول تنطلق من مبدأ تقسيم المنطقة على أسس أثنية ومذهبية ومناطقية، وهدفها الأول من هكذا سياسات هو حماية إسرائيل المحتلة والحفاظ على الأصدقاء الذي يدرون ذهبا من زحف الربيع إلى دولهم. إن تشويه الربيع وإغراق دوله بالعنف والتيه، لهو خير وسيلة للحد من تسلله إلى حيث لا يرغبون.
 
للأمريكان مصالحهم وحساباتهم الخاصة، ويفترض أن يكون لدول التحالف حسابتها الخاصة أيضا، التي تنطلق من أهمية حماية أمنها القومي. وهذا يتطلب بناء سياسات خارجية تعتمد على قاعدة لا يؤثر، أو تتحكم بها، المصالح الأمريكية، أو غيرها. ويفترض أن تكون بداية تأسيس مثل هذا المسار هو انجاز التحالف لمهمته التاريخية في اليمن. المهمة التي تبلغ ذروتها بإسقاط الانقلاب واستعادة الدولة وإعادة الإعمار، لكي يتعافى اليمن ويضاف كقوة لتعزيز أمن واستقرار الخليج القوميين.
 
ولكي يكون اليمن مؤهلاً لخوض رهانه الأصعب على مستوى القرن، والتماسك والحفاظ على وحدته ومنجزاته التاريخية، فإن جهوداً جبارة كبرى لابد أن تبذل بمزيد من إسناد دول التحالف وعلى مختلف الأصعدة ولسنوات طويلة. فاليمن المهدد بالمجاعة- إن لم تكن قد فتكت به أصلا- والمحطم الذي تنهشه جماعة الحوثي، مستثيرة كل مشاكله القبلية وأحقاد وثارات السياسة والجهوية والمناطقية، تحتاج إلى مواجهة كل ذلك ببرنامج متكامل على مستوى الحرب والسياسة والاقتصاد والمجتمع. وهو مالم يقوى اليمن عليه بمفرده، ولا يكفي أيضا دعم التحالف له بهذا المستوى المنفصل عن رؤية شاملة تنطلق من فكرة أن اليمن عمق لأمن الخليج ومصدر قوة ديموغرافية وجيو-استراتيجية في صراعه مع إيران وغيرها في المنطقة.
 
 بكل تأكيد لن يتمكن اليمن من كل ذلك وحيدا ً، بل سيحتاج إلى دعم كبير وهائل وتنمية مستدامة، وإعادة إعمار وبرامج تأهيل. وهذا يتطلب ترسيخ وجود الدولة في المناطق المحررة، وإعادة بناء مؤسساتها لتكون قادرة على النهوض بمهامها أمام احتياجات المجتمع الملحة، وبناء شروط استكمال اسقاط الانقلاب، وأهم هذه الشروط ترسيخ سيادة وهيمنة الدولة في المناطق المحررة وبناء قدرة الجيش الوطني.
 
ستنتج حرب تحرير اليمن مصفوفة من الحيثيات الجديدة، وأوضاعاً كانت في طور التشكل قبل الثورة، وأخرى نتجت بفعلها. كما أن مسار الحرب نحو تحرير ما تبقى من مناطق تحت قبضة الانقلاب، سوف يثمر تحديات كانت متوقعة أو محتملة، وقوى سياسية وتجمعات جديدة صاعدة لا تمتلك ذلك النوع والأفق الوطني الذي تمتلكه القوى السياسية التي مثلت العمود الفقري لثورة فبراير. هذه القوى إما مناطقية أو مذهبية عبثية لا تستطيع أن تكون جزءا من حل، بل ستظل ماثلة كمشكلة أمام أي خطوات وطنية جامعة تسعى الشرعية نحو تحقيقها ...
 
هنا مكمن الرهان الصعب الذي يواجه الشرعية؛ أقصد في قدرتها على مد مساحتها على حساب مساحات قوى الانقلاب وقوى المناطقية والعصبويات التي تهدد بطيفنة ولبننة اليمن.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر