‏صندوق انتخابات..


نور ناجي

 ‏كانت بلدنا تنعم في الماضي القريب بالانتخابات. لا ترفعوا حواجبكم من الدهشة، ليس فيما اقول حكاية متخيلة، بل ذكرى قريبة ابتعدت عنا حين توقفنا عن الحديث مع بعضنا البعض لأسباب جميعنا يعرفها. أو ربما لم نعد نتذكرها، فمن أعراض العيش في بلد تجثم عليها الحرب، كسلٌ في الذاكرة، وفقدانٌ لتسلسل الاحداث فيها ..
 
‏آخر تلك الانتخابات كانت لأختيار رئيس توافقي للبلاد. لم أفهم حينها سبب انتخاب شخص متوافق عليه من الجميع، لكني بالرغم من تكاسلي الدائم عن الاقتراع ذهبت، وكانت تلك المرة الوحيدة التي أضع صوتي في صندوق انتخابات. أتذكر التقاطي بفخر صورة لصندوقي مازلت احتفظ بها حتى الآن.
 
‏لست الوحيدة كما أعتقد، كثيرون أصروا على الإدلاء بأصواتهم، لم يكن عشق الرجل الذي سيصبح رئيس الجمهورية الجديد سبب في تلك الاحتفالية، فنسبة لا بأس بها صوتت برفضها له. مبعث ذهاب الغالبية- كما أظن-  هو إرسال رسالة واضحة للخارج والداخل بجميع أطيافه وأحزابه السياسية..
 
‏رسالة مفادها أن المواطن اكتفى من ساحات الاعتصام وحان وقت تنفيذ مطالبه. أعلن الناخب وهو يضع صوته في الصندوق رفضه للتهديدات المبطنة بسياسة القبول بالأمر الواقع المستندة للقوة، وأبدى في نفس الوقت شكره للخارج الذي ساعده في تخطي أزمته، وتكفل بمنحه القدرة على عبور بقية الطريق دون محاولات لفرض الوصاية والهيمنة عليه. بحل عملي بسيط وبطريقة حضارية عبَّرَ الشعب عن أرادته مستخدماً صناديق الاقتراع ..
 
‏للأسف، ابتلعت الميليشيا صندوق الانتخابات البلاستيكي الشفاف، بحسناته وعيوبه، التي لم تكن لتخفى على أي مواطن بسيط، واستبدلته بصندوق "ولاية" أسود، أغلقته على الشعب وسدت جميع منافذه حتى لا تسمح لصوته بالظهور أو التنفس. والمضحك أنها حتى اليوم تنعت نفسها بالديمقراطية ..
 
‏لم تكن الميليشيا هي الجانية الوحيدة في حق هذه الأرض. الجميع أذنب بشكل أو بآخر، وبنسب متفاوتة تصل حد التحالف مع الشيطان. وبكوميديا بالغة السواد تلاعب "الحظ الساخر" بالجميع حين لم تستثني الميليشيا أحد عن ظلمها وقهرها، ونالت المكونات السياسية اليمنية حصتها العادلة من الاستبداد والقمع.
 
‏"لقد حان وقت استعادة الدولة، ونزع الصندوق الأسود من علينا". هذا ما اعتقده المواطن المنسي وهو يزيح الغبار عن صندوق الانتخابات القديم، وقد شعر بأن وقت استخدامه وتنصيبه بات قريب لا محالة، بعد أن أمسى الجميع تحت مظلة مظلومية وهدف واحد لم يحدث ذلك للأسف، وعادت المماحكات السياسية لتسود الساحة، وارتفعت أصابع الاتهام لتوجه من الجميع ضد الجميع. تمزقت المظلة إلى خرق بالية لا تشعر نفسها بالحماية فكيف بالذي يحاول الاستضلال بها، وعاد صندوق الانتخابات للتواري من جديد..!
 
‏الجميع يتناسى ويتجاهل المتضرر الأول من هذه الحرب، برغم التشدق بالحديث نيابة عنه: المواطن الذي لم يعد يمتلك رفاهية الوقت لتكرار وتدوير أخطاء الساسة، ولم يعد يحمل في نفسه القوة الكافية لتعداد المقابر التي تفتح أمامه، ويحاول بشق الأنفس ابقاء مسافة بسيطة بينه وبينها، يوزع نظره بين شواهدها وبين الأفق الذي يخدعه بسراب أمل يبقيه بالكاد متماسكا.
 
‏ماذا لو أن القدر أعطى المواطن اليمني فرصة أخيرة لخوض انتخابات نزيهة بعيدا عن مهاترات السياسيين وفظاعات الحرب؟ ما الذي سيسطره على ورقة اقتراعه؟ أكاد أجزم أنه سيصرخ محتمياً بالصندوق: "حروبكم الجانبية لا تهمنا، حساباتكم الحزبية لا تمثل أدنى طموحاتنا، فلا تستكثروا علينا الحياة، وانزعوا عنا سواد الميليشيا"..
 
‏أوقفوا الحرب، ليستعيد الموظف قدرته للشكوى من راتبه الذي لا يكفيه حتى يصيب من حوله بالملل القاتل؛ ليعود الزحام متصدراً قائمة الاعداء الذين يجب توخي الحذر منهم؛ لتغادر الأمهات الطوابير التي فرضت عليهن دون مراعاة لكرامتهن. توقفوا عن جنونكم ليتوقف الجائعون عن تلصصهم في براميل القمامة، وتكف الأمراض والأوبئة عن النهش في جسد هذا اليمني الضعيف..
 
‏لا تنقادوا أكثر اجنون الحرب، اهزموها بورقة اقتراع (مُتخيلة) قبل أن تفتحوا أبواب متاهات جديدة لا نعرف إلى أين سيقودنا مجهولها. اشتقنا لذلك الصندوق ومماحكاته التي صارت حلما رومانسيا يكاد يتلاشى مع نزف الأيام.
 ونعدكم، بالمقابل، بمواطنة صالحة لا نتكاسل فيها عن الإدلاء بأصواتنا مرة أخرى..
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر