نجا المتورطون فيها.. من هي الدول المستفيدة من حرب أوكرانيا وكيف تضررت دول بعيدة عن الصراع؟

"سريلانكا أفلست، والأرجنتين مهددة بالتعثر عن سداد ديونها، ومصر تفاوض صندوق النقد على قرض جديد"، تداعيات هائلة يعاني منها العالم بعد 6 أشهر من بدء الحرب الأوكرانية، ولكن هذه الحرب التي تدور في شرق أوروبا والبحر الأسود، يبدو أن لها تداعيات غير متناسبة وغير متوقعة، حيث إن قائمة المتضررين والمستفيدين من حرب أوكرانيا انقلبت بشكل غير متوقع. 

فلقد تضررت بعض الدول بشدة رغم أنها بعيدة عن الصراع، بينما كان الضرر أقل على دول منغمسة فيه أو قريبة للغاية منه، بل بعضها يبدو مستفيداً. 

فبعد 6 أشهر، يبدو أن قائمة المتضررين والمستفيدين من حرب أوكرانيا قد تغيرت بحيث تحتاج إلى إعادة تقييم وقراءة. 
 

روسيا: هل هي متضررة أم مستفيدة؟

عندما بدأت روسيا حربها على أوكرانيا، كان هناك توقعان لم يتحققا حتى الآن، الأول أن الجيش الروسي سوف يسحق نظيره الأوكراني، وأنه قد يدخل كييف في غضون أيام أو أسابيع، والثاني أن الاقتصاد الروسي قد يتضرر بشدة من جراء العقوبات الغربية القاسية. 

ولكن بعد ستة أشهر من الحرب، صمد الجيش الأوكراني بشكل غير متوقع أمام الجيش الروسي الأحدث والأضخم، وصمد الاقتصاد الروسي الصغير مقارنة بالقوى العظمى الأخرى، أمام العقوبات التي فرضتها الدول الغربية ذات الاقتصادات الأضخم بكثير. 

تضررت سمعة روسيا العسكرية بشدة، من جراء إخفاق هجومها على كييف، وعندما تحول تركيزها لجبهة أصغر في إقليم دونباس الملاصق لها، والذي توجد فيه قوات انفصالية موالية لموسكو، لم يكن التقدم الذي تحقق كبيراً، كما كان يخشى في البداية. والآن روسيا، سيطرت على إقليم لوغانسك بأكمله تقريباً، ولكنها لم تحسم الحرب، ولم تسيطر على مدن رئيسية كثيرة، والأوكرانيون يحاولون شن هجوم مضاد في الجبهة الجنوبية. 

على العكس، بدت الجبهة الروسية الأضعف، وهي الاقتصاد، صامدة بشكل غير متوقع، ويمكن التجرؤ بالقول إن روسيا تضررت أقل من مُعاقِبيها الغربيين. 

فرغم انكماش الاقتصاد الروسي، من جراء العقوبات الغربية وخروج الشركات الدولية من البلاد، فإنه لم يكن انكماشاً كبيراً، كما أنّ تزايد قيمة الروبل قلل من الضغوط التضخمية، ورغم وقف العديد من الدول الغربية استيراد المنتجات الروسية خاصة النفط والفحم، فقد عوضت موسكو ذلك، حيث زادت قيمة صادراتها من جراء ارتفاع أسعار النفط، ونجحت في إيجاد أسواق بديلة للسوق الأوروبي الذي كان يأخذ كميات كبيرة من  النفط الروسي، عبر تسويق نفطها في آسيا بأسعار أدنى من المنافسين، ولكنها أسعار مازالت أعلى من أسعار النفط قبل الأزمة، لتخرج الميزانية الروسية بصافي أرباح من الأزمة، خاصةً أنها طبقت سياسات تقشفية قللت النفقات. 

ومع أن هناك غموضاً حول البيانات الاقتصادية الروسية، ولكن الأرجح أن معاناة المواطن الروسي الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالسلع الأساسية وأسعارها، أقل من معاناة نظرائه في الدول الغربية والدول النامية بطبيعة الحال. 

وحتى كثير من المنتجات الغربية التي توقفت عن الذهاب لروسيا، يمكن تعويضها بالمنتجات الصينية، باستثناء بعض المنتجات الأكثر فخامة أو تعقيداً. 

وحتى بعدما بات صعباً على السياح الروس الذهاب للمدن والمنتجعات الأوروبية، فما زال أمامهم المجال مفتوحاً للذهاب لتركيا ودبي، وشواطئ البحر الأحمر المصرية. 

وحتى الخسارة الروسية الأكبر، من جراء تجميد أموال الصناديق السيادية الروسية في الغرب والتي تقدر بنحو مئتي مليار تقارب نصف محتويات هذه الصناديق، عوّض ذلك جزئياً زيادةُ إيرادات الطاقة الروسية. 

كما أن تأميم أو تجميد أصول وأنشطة الشركات الروسية في الغرب قابله سياسات مماثلة تجاه الأصول والشركات الغربية واليابانية في روسيا. 

ما زال من المبكر الحكم على التأثير المتوسط والطويل الأجل للأزمة على الاقتصاد الروسي، لكن لا يبدو هذا التأثير كبيراً، طالما استطاعت روسيا بيع نفطها للصين والهند وغيرهما من الأسواق الآسيوية، خاصة ما دامت أسعار النفط مرتفعة. 

ويمكن القول إن الاقتصاد الروسي قد يعاني فعلاً، إذا فرض الغرب حظراً على يجبر الدول غير الغربية على وقف استيراد النفط الروسي، مثلما فعلت العقوبات الأمريكية مع النفط الإيراني، والفنزويلي. 

ولكن هذا ليس قراراً سهلاً (وإن لم يكن مستحيلاً) في ضوء الحجم الكبير للصادرات النفطية والغازية الروسية التي يصعب استبدالها، خاصةً أنه قرار قد يؤدي إلى رد فعل عنيف من موسكو، لأنه بمثابة قطع شريان الحياة عنها، إضافة إلى أنه سيلقى مقاومة أو مساومة من قبل بكين ونيودلهي تحديداً. 

وصدور مثل هذا القرار أو تنفيذه يتوقف إلى حد كبير على التوصل لاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني، يعيد نفط طهران للأسواق، وكذلك استعادة فنزويلا جزءاً كبيراً من طاقتها الإنتاجية وحصتها من الأسواق النفطية، ولكن التصالح مع هذين البلدين يلقى معارضة من قبل الجمهوريين تحديداً في الولايات المتحدة. 

أما انصياع بكين لحظر استيراد النفط الروسي بشكل كامل وهي مسألة جوهرية في أي عقوبات على موسكو، فإن تجربة بكين مع طهران، مع الوضع في الاعتبار وزن روسيا الأكبر، تفيد بأن مثل هذا القرار قد يلقى بعض الممانعة والمساومة من الصين، قد تؤدي إلى انصياعها جزئياً إذا وجدت بديلاً للنفط الروسي وتهديداً صريحاًجج بمعاقبتها غربياً، مع استمرارها في خرق هذا الحظر المحتمل سراً، خاصة في ضوء استمرار حاجتها لشراء بعض الأسلحة من روسيا، وأهمية السوق الروسي للصادرات الروسية، رغم أنه أقل أهمية بطبيعة الحال من الأسواق الغربية واليابانية. 
 

الصين.. أكبر المتضررين والمستفيدين المحتملين

تعد الصين من أكبر المستفيدين والمتضررين المحتملين من الأزمة الأوكرانية، في ضوء صِلاتها الاقتصادية الضخمة مع الغرب وحليفتها الآسيوية الكبرى اليابان، وفي ضوء اعتمادها على النفط والغاز الروسيين، وكذلك صادرات الأسلحة والتكنولوجيا الروسية (رغم أن الأخيرة تراجعت أهميتها مع استمرار التقدم الصيني في هذين المجالين). 

حتى الآن تبدو الصين مستفيدة من الأزمة الأوكرانية وما ترتب عليها من عقوبات غربية، لم تصل لفرض حظر على التبادل الصيني الروسي في كل المجالات. 

ما زال النفط الروسي يسري في أوصال اقتصاد الصين، بل جزء منه يأتي في صورة نفط روسي كان مخصصاً لأوروبا أصبحت موسكو تبيعه لبكين بسعر أرخص من سعره العالمي، في منافسة لمشتريات بكين التقليدية من النفط العربي والإيراني، مما خفف وطأة ارتفاع الأسعار على الصين. 

من الناحية السياسة، شكلت الأزمة إحراجاً للصين التي كانت مطالَبة غربياً بموقف حازم ضد الغزو الروسي لأوكرانيا، موقف فضّلت الصين أن تنأى بنفسها عنه، وأن تتخذ توجهاً أقرب للحياد ويميل إلى تحميل الغرب مسؤولية إشعال الأزمة. 

من ناحية أخرى تربط الصين علاقات مهمة مع أوكرانيا، خاصة في مجال التكنولوجيا العسكرية والحساسة، التي كانت بكين تعمد لنقلها من كييف الفقيرة التي ورثت التقدم السوفييتي في مجال الطاقة النووية والأسلحة والأقمار الصناعية، وفي مقدمة هذه الأطماع الصينية التكنولوجيا الأوكرانية في تصنيع محركات الطائرات. 

ولكن حتى قبل الأزمة، نالت الصين جزءاً كبيراً من أغراضها من أوكرانيا، كما أن كييف بدأت توقف تغلغل بكين في صناعاتها الاستراتيجية، مثلما أوقفت استحواذ الصينيين على الشركة الأهم لصناعة محركات الطائرات بالبلاد. وجاء تحرك كييف سواء بضغط غربي أو بسبب شعور الأوكرانيين بأن الصينيين البخلاء يحصلون بثمن بخس على أفضل ما لدى كييف من تكنولوجيا، ثم يعيدون إنتاج نظير لها ينافسون به الأوكرانيون في الأسواق الدولية. 

وكانت إحدى نتائج استفادة الصين من الأزمة الأوكرانية أيضاً أنها أبعدت تركيز الغرب ولو قليلاً عن الصعود الصيني ومحاولة عرقلته بعد أن كانت واشنطن تحديداً تروج أن الصين هي الخطر الأكبر على الغرب أكثر من روسيا الأصغر اقتصادياً، وكان بعض الساسة الأوروبيين يرون أن بوتين حليف محتمل للغرب ضد بكين باعتباره زعيماً أوروبياً مسيحياً. 

ولكن اليوم بات بوتين هو الشيطان الأكبر، الذي يرى الغرب أن خطره أقرب، بينما الصين ما زالت الشيطان الأكبر ولكن خطره ما زال بعيداً، ومواجهة العدو القريب أولى من العدو البعيد. 

ولكن هذه المقاربة الغربية ما زالت لها أضرارها على الصين، لاسيما إذا مضى الغرب قدماً في تقسيم العالم لفسطاطين أحدهما غربي والآخر شرقي يضم الصين وروسيا وما قد يتبع ذلك من تسريع الانفصال الاقتصادي مع بكين على غرار ما يحدث مع موسكو، وأيضاً تسخين الجبهات شبه الباردة مع بكين، وهو أمر ظهرت أولى بوادره في زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي لتايوان، والتي أظهرت أن هناك في الغرب من يريد تعجيل المواجهة مع بكين رغم انشغاله مع الحرب الأوكرانية. 
 

الهند مستفيد كبير من الأزمة حتى الآن

تبدو الهند في وضع مماثل للصين بشكل كبير، واستفادت عبر صادرات الطاقة الروسية الأرخص الهاربة من أوروبا، ولكنَّ وضعها أصعب في أن الغرب حليف محتمل لها، في التنافس مع الصين، كما أنها قد تكون أكثر حساسية في مسألة فرض أي عقوبات على وارادتها من الأسلحة الروسية، رغم أنها قد تكون أقل تضرراً بأي عقوبات غربية اقتصادية على موسكو، لأنَّ ترابط الاقتصاد الهندي مع الروسي أقل من الترابط الصيني الاقتصادي مع موسكو. 

إلا أن اقتصاد الهند يظل أصغر وأضعف في تحمُّل أي تداعيات لأي توسيع للعقوبات الغربية على روسيا بما يعني ذلك من فرض حظر دولي على التبادل التجاري معها. 

وعكس الصين، فإن الهند لو خُيِّرت بين روسيا والغرب، فالخيار سيكون أصعب لكنه سيكون أقرب للغرب؛ لقلَّة ترابط اقتصادها مع روسيا، لأن ما يجمعها مع الغرب هو التنافس مع بكين. 
 

الدول الأوروبية.. أرادت معاقبة بوتين فأضرت نفسها

عكس المتوقع، كانت القارة الأوروبية الغنية من أكثر المتضررين من الأزمة الروسية الأوكرانية، لا سيما بعد فرض العقوبات الأوروبية على روسيا، حيث تعتمد أوروبا بشكل كبير على مزيج الطاقة الروسي الرخيص، لا سيما اقتصاد ألمانيا، ممول النمو الاقتصادي الأوروبي. 

وها هو اليورو يتراجع أمام الدولار، والدول الأوروبية تواجه شبح التجمد خلال الشتاء بشكل غير مسبوق في تاريخها الحديث، والاقتصاد الألماني الذي يمثل ماكينة الاقتصاد الأوروبي وخزينته الثمينة، مهدد بالركود ويعاني من التضخم، كما تتعرض إيطاليا- صاحبة ثالث أكبر اقتصاد بالاتحاد الأوروبي- لمخاطر أزمة ديون هائلة قد تسبب في تداعيات كبيرة على مجمل التكتل. 

يتداخل كل ذلك مع تزايد النفقات العسكرية الأوروبية، لا سيما في ألمانيا ودول شرق أوروبا، سواء لمساعدة أوكرانيا، أو لترميم جيوش هذه الدول التي تضعضعت قدراتها نتيجة عقود من السلام والرخاء. 
 

الولايات المتحدة استفادت رغم معاناة مواطنيها

تبدو الولايات المتحدة نسبياً متضررة من ارتفاع أسعار النفط، الذي فاقم موجة التضخم التي كانت قد بدأت قبل الأزمة الأوكرانية، من جراء سياسات التيسير الكمي وضخ الدولارات للمواطنين خلال جائحة كورونا ثم أزمة سلاسل التوريد. 

ولكن أمريكا كعادتها تصدّر لبقية العالم أزماتها، فسارعت برفع أسعار الفائدة على الدولار، لتقليل التضخم، متسببةً في موجة تراجعات للعملات في العالم، القوية منها والضعيفة، ومهدِّدةً العالم بأزمة ديون وركود تضخمي محتملة. 

على الجانب الآخر، حققت الولايات المتحدة فوائد جمة من الأزمة، فعلى الجانب الاقتصادي، تزايدات قيمة صادرات الولايات المتحدة من الغاز والنفط، فهي دولة غنية بالطاقة عكس أوروبا. 

وعلى الجانب السياسي، أعادت توحيد الغرب تحت قيادتها في مواجهة روسيا والصين على السواء، بشكل غير مسبوق منذ ذروة الحرب الباردة. 

وأصبح لا صوت يعلو فوق صوت أمريكا، بسبب أجواء الحرب الساخنة في أوكرانيا والحرب الباردة مع الصين، وتخلى القادة الأوروبيون واليابانيون والأستراليون عن تحفظاتهم السابقة في تصعيد التوتر مع بكين وموسكو. 

وتعدى ذلك إلى طلاق بائن بين الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد الروسي، وانفصال بدأ ببطء ولكن بوتيرة ثابتة، بين اقتصادات الدول الغربية وحلفائها الآسيويين مع الصين، انفصال لم يوقف التبادل التجاري، لكنه فرض قيوداً على الاستثمار وبالأخص جهود استحواذ الشركات الصينية على الشركات الغربية وعلى إيفاد الطلاب الصينيين للغرب والبحث العلمي المشترك معه، وهي المسارات المفضلة للصين لاقتباس التكنولوجيا الغربية التي تنقص بكين. 

كما بدأت عملية فصل بطيئة لسلاسل التوريد بين الصين والغرب، ستفضي في الأغلب إلى انفصال كامل، بين الجانبين، يترك بكين معزولة عن العواصم الغربية ويجعل أمريكا تنفرد بالهيمنة على العالم الغربي حتى لو جلب ذلك خسائر اقتصادية. 
 

الدول النامية أشد المتضررين

أغلب الدول النامية لا ناقة لها ولا جمل في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ولكنها أكثر المتضررين، فها هي سيرلانكا التي لا تربطها علاقة تُذكر بالبلدين، تعاني الإفلاس؛ والأرجنتين التي تقع في الطرف البعيد من العالم مهدَّدة بالتعثر في سدادها ديونها كما حدث لها مراراً من قبل، رغم أنها دولة غنية بالموارد الزراعية وشعبها المتعلم ذي الأصول الإيطالية الإسبانية وصناعاتها الجيدة نسبياً. 

وفي إفريقيا تعاني العديد من الدول من ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب، بشكل يهدد بأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية. 

ومعاناة هذه الدول، من آثار الحرب الأوكرانية، تنبع من خليط من سوء الحظ الجغرافي، وسوء الإدارة. 

فأغلب دول العالم الثالث تقع في مناطق حارة، تعاني من قيود مناخية في زراعة القمح تحديداً، وهو السلعة التي تجود زراعتها في سهول روسيا وأوكرانيا الواسعة، كما أن ارتفاع أسعار النفط يلقي بكاهله على الدول النامية غير النفطية. 

ولكن على الجانب الآخر، فإن الأمر لا يخلو من قدر كبير من سوء إدارة من قِبل حكومات هذه الدول، أوصلها لهذه الأزمة. 

فقد ركنت كثير من دول العالم الثالث إلى استيراد الحبوب من دول الشمال الباردة، دون محاولة إيجاد بدائل محلية رغم نجاح بعض الدول المماثلة في الظروف المناخية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح مثل الهند. 

كما ركنت كثير من الدول النامية إلى الاقتراض من سوق الديون الرخيصة في السنوات الماضية، واستخدمت هذه الأموال في تمويل مشروعات بنية أساسية غير ضرورية في الأغلب ولأهداف شعبوية في كثير من الأحيان، والأهم أنها مشروعات لا تؤدي إلى عوائد بالدولار، تُمكِّنها من سداد هذه الديون. 

وعندما وقعت الأزمة الأوكرانية، جاءت لحظة الحقيقة، فتزامن تزايد عبء ارتفاع أسعار الطاقة والحبوب على المستوردين مع ارتفاع أسعار الفائدة، الذي فاقم عبء خدمة الدَّين لدى هذه الدول التي لم يعد بمقدورها الاستزادة من الديون بفائدة منخفضة لسداد الديون القديمة، وهربت الأموال الساخنة من أسواق الدول النامية والناشئة ذات المخاطر العالية إلى الأسواق المالية الغنية- لاسيما الأسواق الأمريكية- بعد رفع الفائدة. 

تشكل مصر وعدد من الدول العربية غير النفطية نموذجاً للتداخل بين سوء الحظ وسوء الإدارة في علاقتها بالأزمة الأوكرانية، ولكن يزيد في الحالة المصرية ارتباط الاقتصاد المصري بشكل أكبر مع الاقتصاديين الروسي والأوكراني، سواء عبر تدفق السياحة من البلدين لمصر أو لانكشاف القاهرة أكثر من غيرها على واردات الحبوب باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم. 

وزاد من الأزمة، أن القاهرة كانت واحدة من أكثر دول العالم توسعاً في الاقتراض خلال السنوات الماضية، مما ضاعف الديون الخارجية ثلاث مرات إلى نحو 150 مليار دولار، وهو ما جعلها من أكثر الدول تأثراً بالأزمة، علماً بأنه سبق أن عانت مصر من تداعيات توقف السياحة الروسية مراراً، ولكن لم يكن التأثير بهذا الحجم. 

كما أن الأزمة تلقي بظلال على الخيارات السياسة الخارجية والعسكرية المصرية، حيث بات الغرب أشد وطأة في ضغوطه على القاهرة للابتعاد عن موسكو في العديد من المجالات، منها استيراد المعدات العسكرية الروسية، ولم يُعرف بعدُ تأثير الأزمة على مشروع مصر الطموح لإنشاء محطة طاقة نووية في الضبعة بالساحل الشمالي. 

تظل الأزمة الروسية الأوكرانية تمثل فرصة للقاهرة في بعض النواحي، حيث يمكن أن تقدم مصر نفسها بديلاً للسياح الروس الذين يصعب عليهم الذهاب لأوروبا، التي تناقش فرض حظر شامل على دخول المواطنين الروس إليها. 
 

تركيا الأكثر ارتباطاً باقتصاد الدولتين

حتميات الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ تجعل تركيا من أكثر المتضررين من الأزمة الروسية الأوكرانية، حيث ترتبط أنقرة بعلاقات وثيقة مع البلدين على كافة الأصعدة. 

كانت روسيا منافساً وشريكاً لتركيا في الحرب والاقتصاد على السواء، فكاد البلدان يدخلان في مواجهاتٍ عدةَ مراتٍ بسوريا، آخرها في إدلب عام 2019، وتقاتل حلفاء البلدين في القوقاز وليبيا، ولكن في كل هذه الأزمات، توصل البلدان لتفاهمات أوقفت القتال، ورسخّا نفوذهما على حساب الغرب في الساحات الثلاث. 

وفي الوقت ذاته، واصل البلدان تعزيز علاقتهما الاقتصادية، حيث تعتبر تركيا ساحة مهمة للغاية للسياحة، ولصادرات الطاقة الروسية، كما أن أنقرة مصدر مهم لموسكو، إضافة إلى أن شركات المقاولات التركية لاعب مهم في السوق الروسية. 

في الوقت ذاته، أوكرانيا شريك اقتصادي مهم لأنقرة سواء عبر السياح الأوكرانيين (رغم أنهم أفقر وأقل عدداً من الروس) أو التبادل التجاري، إضافة إلى شراكة استراتيجية بين أنقرة وكييف في مجال الصناعات العسكرية تشمل تزويد تركيا لأوكرانيا بطائرات بيرقدار المسيرة، وسفن حربية وصواريخ كروز، في مقابل مشروعات لنقل التكنولوجيا العسكرية الأوكرانية، خاصة في مجال محركات الطائرات لاسيما المسيَّرة منها، والأقمار الصناعية، إضافة إلى جهود للتعاون في إنتاج الطائرات الحربية تمثل فيها كييف شريكاً أو مزوداً محتملاً لتركيا في مجال محركات الطائرات وكذلك محركات الدبابات، حيث يعاني برنامج أنقرة الطموح في مجال الصناعات العسكرية من أزمة في مجال المحركات عموماً. 

أدى ذلك إلى تأثر الاقتصاد التركي بشكل كبير من الأزمة الأوكرانية، خاصةً أن أنقرة مستورد كبير للطاقة التي ارتفعت أسعارها لأرقام فلكية، وهو ما انعكس على الليرة التركية، التي كانت صاحبة أسوأ أداء في العالم منذ اندلاع أزمة أوكرانيا، مما أوصل معدل التضخم إلى مستوى قياسي لم تشهده البلاد منذ تولي حزب العدالة والتنمية للحكم. 

ولكن الأمور بدأت تتحسن قليلاً بالنسبة لأنقرة، فتراجُع الليرة يبدو أنه توقَّف عن مساره الأكثر تدهوراً، وهو أمر أدى إلى تقليل فجوات ميزان المدفوعات التركي، عبر التقليل من الواردات وتعزيز تنافسية الصادرات التركية، وجعل البلاد أكثر جاذبية للسياحة، خاصة في ضوء صعوبة ذهاب السياح الروس لأوروبا. 

كما تحولت تركيا لملاذ لكثير من أصحاب الأموال الروسية، حيث أصبحت موسكو أكثر حرصاً على علاقتها مع أنقرة التي باتت متنفَّسها الوحيد في الغرب، كما أن الدول الغربية تقدّر الدور التركي باعتبار أنقرة قناة الوساطة الوحيدة مع روسيا، وبدا ذلك في استضافتها للمفاوضات الروسية الأوكرانية التي لم تؤدِّ إلى نتيجة تُذكر، ولكنها تظل منصة مطلوبة بشدة في ضوء امتناع الصين عن تلبية الطلب الغربي بالقيام بهذا الدور، خاصةً أن علاقة أنقرة الوثيقة مع روسيا وتحالفها القديم مع أوكرانيا يجعلانها مقبولة لدى الطرفين، والأهم أنهما يجعلانها الأكثر تفهماً لتفاصيل الأزمة الفنية. 

وظهرت آثار كل ذلك في نجاح تركيا، بمعاونة الأمم المتحدة، في إبرام الصفقة الوحيدة بين روسيا وأوكرانيا والتي أدت إلى بدء تصدير الحبوب الأوكرانية المحتجزة التي يحتاجها العالم بشدة. 

على الجانب الآخر، أدى هذا الدور التركي الهام، سواء في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا أو ضبط المرور في مضيقي البوسفور والدردنيل أو في جهود إيجاد بدائل للغاز الروسي من أذربيجان وتركمانستان، إلى قبول الغرب لتوثيق أنقرة علاقتها مع روسيا كما ظهر في قمة طهران الأخيرة التي حضرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني إبراهيم رئيسي. 

وتجلى هذا التعاون الروسي التركي الذي تغاضى عنه الغرب، واضحاً في التحويل المالي الضخم الذي نفسه شركة روس أتوم الروسية المتخصصة في تصنيع المفاعلات النووية لتركيا للمضي قدماً في إنشاء المحطة النووية التركية، وهو التحويل الذي يُعتقد أنه سوف يصل لـ15 مليار دولار، وهو من شأنه ليس فقط تعزيز الاحتياطات التركية من العملات الأجنبية، بل أيضاً التقدم في البرنامج النووي التركي المهم للبلاد سواء لتوفير احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، أو لطبيعته الرمزية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية التركية المقررة العام القادم. 

كان أحد مظاهر استفادة تركيا من الأزمة إعلان الإدارة الأمريكية اعتزامها المضي قدماً في صفقة لتوريد 40 طائرة إف 16 لأنقرة وتحديث 80 آخرين من أسطولها من هذه الطائرات، في تراجع كبير عن العقوبات الأمريكية التي فُرضت على تركيا بسبب شرائها صواريخ إس 400 الروسية، وهي العقوبات التي أخرجت أنقرة من برنامج اقتناء الطائرة الشبحية الأمريكية إف 35.   

كما أن تركيا تبدو أكثر استعداداً للتحرك في الشمال السوري لتوسيع المنطقة الآمنة التي تقيمها وتديرها المعارضة السورية الحليفة لها، بهدف حماية حدود أنقرة، وتنفيذ خطتها لإعادة جزء من اللاجئين السوريين لبلادهم. 

في ظل حاجة الطرفين، الأمريكي والروسي، لأنقرة بسبب الأزمة الأوكرانية، فإن ذلك يجعلهما أقل معارضة للأهداف التركية عكس ما جرى في مواقف مشابهة قبل سنوات. 
 

دول الخليج.. المستفيدة الأكبر

تعد دول الخليج العربية ومجمل الدول العربية النفطية مثل ليبيا والعراق، وكذلك إيران، من أكبر المستفيدين من الأزمة الروسية الأوكرانية حتى الآن. 

فقد قفزت أسعار النفط بشكل كبير، وحققت كثير من ميزانيات هذه الدول فوائض لأول مرة منذ أعوام بعد سنوات كورونا العجاف. 

وبات الرئيس الأمريكي، جو بايدن، يخطب ود زعماء الخليج لزيادة إنتاج النفط والغاز، لوقف استنزاف محفظة نقود مواطنيه قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. 

وفي المقابل فإن روسيا بدورها تخطب وُدهم؛ طمعاً في ألا يفتحوا صنبور النفط أكثر مما ينبغي، فيما أصبحت الإمارات ملاذاً لكثير من المليارديرات الروس والسياحة الروسية. 

ينطبق الأمر أكثر على إيران التي ازدادت قيمة صادراتها القليلة من النفط، وازدادت حاجة الغرب لتسريع إحياء الاتفاق النووي معها، كما تراجع انشغال أمريكا بالتصدي لخططها لتوسيع نفوذها في الدول العربية، لاسيما العراق. 

ولكن على الجانب الآخر، لا يخلو الأمر من بعض الأضرار القليلة أو المحتملة على المدى البعيد. 

أول الآثار القريبة انتقال آثار التضخم لجيوب مواطني الدول النفطية، مما يستلزم معه رفع الأجور والامتيازات المالية، كما أن زيادة إيرادات النفط تؤخر عادةً في الدول الخليجية خطط الإصلاح والترشيد وإيجاد بدائل للبترودولار. 

على المدى البعيد، قد تمثل أزمة الطاقة ضرراً لمجمل الدول النفطية العربية وغير العربية، لأنها تحفز التوجهات الغربية الرامية إلى التخلص من الوقود الأحفوري والاعتماد على الطاقات الجديدة.  

وفي هذا السياق يعد قرار الاتحاد الأوروبي منع بيع السيارات الجديدة العاملة بالوقود الأحفوري، سواء الهجينة أو العاملة بالكامل به، تطوراً مثيراً للقلق لمجمل الدول النفطية في العالم، منها روسيا ودول الخليج المصدّران الأكبر للنفط. 

ويؤشر ذلك إلى أن عصر الاستهلاك الواسع للنفط يوشك أن ينقضي وأن عليهم ألا تغرهم الثروة الطارئة الحالية، ويجب أن يدخروا من أعوام الرخاء الحالية للسنين العجاف المحتملة. 
 

(عربي بوست)

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر