ثورة الجياع (2/2)


سبأ عباد

في عام 1943م، تعرضت بعض نواحي اليمن للمجاعة، ومن ضمنها لواء إب، الذي كان الحسن بن يحيى بن حميد الدين حاكما عليه، والذي لم يقل عن أبيه بخلا ولؤما وظلما، فكان آلاف النازحين من أبناء البوادي الذين انعدمت عليهم لقمة العيش، وأصبحوا يتساقطون من الجوع كأوراق الخريف؛ يفرون إلى مدينة إب على أمل أن يجدوا ما يعصمهم من الجوع والموت عند حاكمهم الموكل إليه أمرهم.

 ولكن ذلك لم يكن يهز شعرة من رأسه، فلم يخشع له قلب، ولم ترف له عين لحالهم المميت، بينما كانت المخازن تمتلئ بأنواع الحبوب والمحاصيل التي كان يأخذها منهم ظلما وعدوانا، رافضا إعطاءهم حتى ما يسد رمقهم، ويعتقهم من الموت، في الوقت الذي كان أهالي إب المقتدرون يقدمون ما استطاعوا من المساعدات لهؤلاء النازحين، ولكنهم عجزوا عن توفير الأكفان لكل أولئك الذين يتساقطون منهم بسبب الجوع لكثرتهم، حتى تبرع لهم أحد يهود مدينة إب بها وكان يدعى داوود الصبيري. 

ولما حدث ذلك الأمر من اليهودي أرسل بعض القضاة إلى الحسن بن يحيى يعيبون عليه ذلك وينصحونه، بأنه لا يليق به التغافل عن أمر أولئك الذين يموتون جوعا وهو حاكمهم، في الوقت الذي يحن ويتفضل عليهم أحد اليهود بالأكفان، فرد عليهم أن أولئك الموتى لم يكونوا يصلّون، وأنه سيمنح الأكفان لمن يثبت شرعا  أنهم كانوا يصلون، فظل القضاة يتفاوضون معه على أمر الأكفان حتى أمر بأن يصرفوا لكل ميت منهم كفنا ولكن على قدر جسده  فقط.

إن كل هذا الجشع والشح المتوارث بين الإمام وأبنائه المستبدين، لا يستوعبه عقل، إذ جعلوا من أموال الناس التي اغتصبوها منهم أغلى وأثمن من أرواحهم،  فاستهانوا بهم أحياء وأموات، سرقوهم في الرخاء، وتنكروا لهم  في الشدة، فبخلوا عليهم  في حياتهم ومماتهم، ولم يجدوا في أنفسهم ما يشفع للناس المغلوب على أمرهم للحصول ليس على لقمة العيش وحسب! بل حتى ما يغطون به أجسادهم من أكفان بعد موتهم، فلم تكن لا لآدميتهم  ولا لإسلامهم  حُرمة عندهم.
   
  إن ما حدث لليمنيين عام 1943م  من مجاعة حصدت الكثير من الأرواح؛ يحدث اليوم مرة أخرى في عهد الأحفاد الإماميين من الحوثيين، الذين عاثوا في الأرض فسادا، ونهبوا خيرات البلاد، وأرزاق الناس، وكدسوها كأموال خاصة بهم فقط، ليموت الشعب وحده، وأمواله مخزنه في بدروماتهم وأقبيتهم، بينما يعيشون هم في نعيم ورخاء. فهاهي المجاعة تحصد الأرواح مرة أخرى، دون أن يُحرك فيهم ذلك أدنى شعور بالرحمة والإنسانية، فما أبقته بنادقهم من أرواح،  يحصدها ظلمهم وجبروتهم وجشعهم، إنه الاستبداد الجبروتي الظالم نفسه، وإنها الغاية نفسها تستمر و تتكرر، وهي استعباد الناس، وأكل حقوقهم، والاستئثار بالسلطة وصلاحيتها لهم وحدهم، في حين يثقلون على الشعب بالواجبات، ويلغون عليه حتى حق الحياة.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر