في القرن الماضي ومن جانب واحد؛ قررت الدول الاستعمارية مصير الدول التي تستعمرها. وكان أحد الأهداف الاستعمارية السيطرة على مناطق التحكم الإستراتيجي، والمعابر المائية القابضة على طرق التجارة الدولية، وبرزت في الأفق الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والألمانية والإيطالية.

وكانت هذه الإمبراطوريات تتصارع بعنف وتتسابق بنشاط لاقتسام مناطق النفوذ وتوزيع الإرث، وخاصة ما كانت تعتبره "أرض بلا صاحب"، وما أكثر تلك الأراضي التي وضعها الاستعمار الأوروبي تحت هذا الشعار.

لقد اقتسم المستعمرون الأوروبيون المستعمرات وكأنها خالية من السكان، وكأن لا تاريخ لها ولا كيانات سياسية فيها، ولا علاقات تربط بين شعوبها. واقتُسمت قِطعاً مُستطيلة أو مُربعة، تفصل بينها حدود مستقيمة أو بحيرة أو مجرى نهر أو سواها؛ فجزّؤوا شعوبها أجزاء وشرذموها أمما.

ولما استقلت المستعمرات نشأت فيها عدة مشاكل تحتاج إلى معالجة دقيقة للعودة إلى الأصول، وللجمع بين الشعوب الممزقة على أسس تاريخها وإثنياتها وما يمتّ إلى هذه الإثنية من عادات وتقاليد ومعتقدات، وما فيها من ثوابت اجتماعية وعرقية وسياسية، ومثال ذلك وجود "العفر" في ثلاث دول هي إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي.

وقد ارتبط حق تقرير المصير والاستفتاء -في عهود الاستعمار التقليدي- بحق الشعوب المستعمرة في التحرر من الاستعمار الأوروبي والحصول على الاستقلال، لكنه اليوم -في عهد الاستعمار الخفي- أصبح يرتبط بمطالب بعض الجماعات العرقية أو الدينية في الانفصال عن الوطن الأم وتكوين دول جديدة، ويكون ذلك غالبا بسبب الصراعات التي زرعها المستعمر.

الأسس السياسية والقانونية

حق تقرير المصير أمرٌ معترَفٌ به دوليا ومكفول بموجب العهود والقوانين الدولية، مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر سنة 1966، والذي ينص على "أن جميع الشعوب لها حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي حرة في تقرير مركزها السياسي وتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".

ووسعت الأمم المتحدة نطاق تطبيق حق تقرير المصير فجعلته أحد حقوق الإنسان الأساسية، كما جاء في العهدين الدوليين اللذين أصدرتهما الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بقرارها رقم (2200)، الصادر في 16 ديسمبر/كانون الأول 1966 من لجنة حقوق الإنسان.

وأصبح العهدان نافذيْ المفعول منذ عام 1976، حيث تم النص في المادة الأولى منهما على حق تقرير المصير بنص واحد موحّد، وهو: "تملك جميع الشعوب حق تقرير مصيرها، وتملك بمقتضي هذا الحق حرية تقرير مركزها السياسي، وحرية تأمين نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".

ويمكن حصر التعريفات المتعددة وربما المتباينة في إطاريْ القانوني الدولي والعلوم السياسية. حيث يشير الأول إلى "منح الشعب والسكان المحليين إمكانية أن يقرروا شكل السلطة التي يريدونها وطريقة تحقيقها، بشكل حر وبدون تدخل خارجي".

أما في العلوم السياسية فمصطلح حق تقرير المصير يشير إلى "حق كل شعب في حكم نفسه بنفسه، واختيار نظامه السياسي ومستقبله اختيارا حرا، على أن يكون هذا الشعب مقيما في أرضه بصورة مستمرة".

تاريخيا نشأ مفهوم تقرير المصير مع موجة ثورات تحرر دول العالم الثالث من الاستعمار الأوروبي، ولذلك كان حق تقرير المصير يشير إلى التحرر من الدول الاستعمارية. وكانت دول استعمارية تعترف بأن وجودها احتلال أو انتداب.

وفي عهود أسبق كان حق تقرير المصير ردة فعل مناهضة لمفهوم الحق الإلهي أو السلطة السياسية غير المقيدة بالقانون، وقامت عليه أنظمة الحكم في العصور الوسطي المسيحية بأوروبا، حيث كان إقليم الدولة وسكانه يعدان ملكا خاصا للحاكم وفقا لنظام الإقطاع الذي ساد خلال تلك العصور. 

ويرتبط الاستفتاء بحق تقرير المصير باعتباره أداة تفضي إلى تطبيق هذا الحق. ويهدف إلى استشارة الشعب بالتصويت المباشر في تقرير مصيره، وهذا ما أشارت إليه الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في قرارها رقم 637 الصادر في ديسمبر/كانون الأول 1952.

فقد نص هذا القرار على أن "رغبات الشعوب تؤكّد عبر الاقتراع العام أو أية وسيلة أخرى ديمقراطية ومعترف بها، ويفضل أن تمارس تحت إشراف الأمم المتحدة"، وهذا ما أكدته المادة (48) من مشروع اتفاقية حقوق الإنسان، وقد طبقت عدة دول هذا المبدأ مثل السودان والهند ونيجيريا.

إن كانت المطالبة بحق تقرير المصير لأجل قيام دولة مستقلة، فليست كل الدول التي قامت استنادا إلى تطبيق هذا الحق -في السنوات الأخيرة- تمتلك مقومات الدولة القابلة للاستمرار والنجاح. بل إن ظروفا سياسية إقليمية ودولية -بما في ذلك موازين القوى العسكرية- فرضت قيام دول جديدة، دون أن تنطبق عليها شروط حق تقرير المصير لا من الناحية القانونية ولا من الناحية السياسية.

ففي السنوات الماضية تعرضت خمس دول عربية لخطر التقسيم تحت حجج ومزاعم حق تقرير المصير، بل انشطر بعضها بشكل رسمي معترف به دوليا مثل جنوب السودان وآخر بدون اعتراف مثل جمهورية أرض الصومال. بينما بدأ إقليم كردستان العراق خطوات للانفصال من جانب واحد، أما اليمن وليبيا فينتظران دورهما. 

وهن الحكومات المركزية

ولعل السبب الرئيسي والعامل المشترك في تلك الانشطارات هو ضعف الدولة المركزية ووهن سيطرتها على أراضيها، وليس انطباق شروط تقرير المصير سواء من الناحية القانونية أو السياسية. فدولة مثل الصين لن تسمح بانفصال تايوان عنها ولا تجرؤ دولة على دعم التايوانيين علنا في ذلك.

كما أنه ليس من المتوقع أن يحصل الكتالونيون على استقلال إقليمهم عن إسبانيا. ولن نسمع يوما بأن حق تقرير المصير قد مُنح لسكان أستراليا الأصليين، أو للهنود الحمر في الولايات المتحدة الأميركية.

ربما تكون دولة جنوب السودان -وهي الدولة الأحدث في منظمة الأمم المتحدة- نموذجا لفاشل الدول المنفصلة، وفي ذات الوقت يمثل وهن الحكومة المركزية كذلك نموذجا لأهم الأسباب التي تغري الإثنيات المختلفة بالمطالبة بالانفصال عن الدولة الأم.

وما زال قائماً التهديدُ بانفصال أجزاء أخرى من السودان، حيث طالبت الحركة الشعبية/شمال (المنبثقة عن الحركة الشعبية الحاكمة في دولة جنوب السودان) -في مؤتمرها المنعقد أكتوبر/تشرين الأول الجاري- بحق تقرير المصير لمنطقة جبال النوبة المتاخمة للحدود مع دولة الجنوب. 

وحصل جنوب السودان على حق تقرير المصير عبر اتفاقية السلام الشامل الموقعة عام 2005 بعد حرب أهلية هي الأطول في القارة الأفريقية، تلقت خلالها الحركة المتمردة دعما عسكريا ومعنويا من إسرائيل ومن الدول الغربية في عمومها.

وجاء انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011 رغم مباينته للحقائق الجغرافية والتاريخية، فقد أصبح الجنوب جزءا من السودان منذ مؤتمر جوبا 1947 وإعلان استقلال السودان في 1955، وذلك دون الحاجة إلى استفتاء لتقرير المصير. ولذا فإن الحديث عن "استقلال" الجنوب غير دقيق لأنه لم يكن مستعمرا، والصحيح هو وصف ما حدث بأنه "انفصال".

ولعدم توفر المقومات السياسية والجغرافية لدولة جنوب السودان؛ فقد ضربتها حرب أهلية بعد فترة قصيرة من الانفصال، وحصدت من الضحايا ما تجاوز حصاد الحرب الأهلية خلال عدة عقود. 

وبعد أن تموضعت إسرائيل في النيل جنوبا بعد انفصال جنوب السودان، نجدها اليوم وهي على مشارف الفرات في انتظار قيام دولة كردستان العراق، لتتحقق خطة أبو الصهيونية العالمية تيودور هرتزل التي تقوم عليها دولة "إسرائيل الكبرى" (من النيل إلى الفرات).

فخطة الصهيونية العالمية تهدف لتفتيت الدول العربية -من خلال ذريعة حق تقرير المصير- إلى دويلات صغيرة تقوم على أساس العِرق والدين، مثل إنشاء دولة للشيعة وأخرى للسنة وثالثة للأكراد.

يقول باحث إسرائيلي -معلقا على تقرير لجنة شيلكوت الخاص بحرب بريطانيا وأميركا على العراق والذي أفرج عنه مؤخرا- إن "حرب العراق كانت هدفًا رئيسيا فى الخطة الإسرائيلية، إذ كان العراق هو العقبة الكؤود والكبرى في وجه دولة إسرائيل الكبرى، وكان تفكيكه يمثل نقطة انطلاق لبلقنته".

إن حق تقرير المصير -الذي استُحدثت له أسباب واختُلِقت مبررات غير تلك التي ظهر بسببها- أضحى مثل "مسمار جحا"، وهو المثل الذي يُضرب لاستخدام الحجج الواهية من أجل الوصول إلى الهدف المطلوب. ويجد المستعمرون القدامى في ثيابهم الجديدة في حق تقرير المصير حجة لضرب تماسك ووحدة الدول الأضعف.

فالسلطة والسيادة هما الأمران اللذان يتم استهدافهما عبر إثارة النعرات الجهوية والطائفية والعرقية، من خلال تشجيع شعوب على المطالبة بحق تقرير المصير، مع أن حق تقرير المصير لا ينطبق على الأقاليم داخل الدولة التي حصلت على استقلالها.

ولا يصبح هذا الحق بمرجعيته القانونية قابلا للتطبيق إلا لشعب يعيش على أرضه، ويشغلها بصورة مستمرة غير متقطعة كما هو حال الشعب الفلسطيني، ولا ينطبق على جماعات الشتات الإسرائيلية التي احتلت أرض فلسطين، ولن يستطع القانون الدولي إعادة الحق الفلسطيني المسلوب ما دامت إسرائيل كيانا جاء بإرادة القوى المستعمرة.  

لقد تأكد أن الاتفاق على تقرير المصير في السودان لا علاقة له بنظرية حق تقرير المصير المرتبطة بتحرير الشعوب من الهيمنة الاستعمارية، لأن ذلك لا ينطبق على جنوب السودان.

بيد أن الانفصال تم بدعم قوي من إسرائيل لتحقيق سياستها في المياه ودورها المركزي في نظرية الأمن الإسرائيلي، ولتستخدم مبدأ "شد الأطراف" لشلّ الدولة السودانية التي صنفتها ضمن المهددات الإستراتيجية لكيانها، وهذا ما تقوم به اليوم دعما لقيام دولة كردية في العراق.

* كاتب وأكاديمي سوداني نقلا عن "الجزيرة نت"

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر