من الملاحظ أن العلاقة بين السعودية وميليشيا الحوثي، تتجه نحو التهدئة، وربما يجري التوافق في المستقبل القريب على صيغة ما تتيح للسعودية الخروج من المأزق اليمني، كمقدمة لحل سياسي يفرضه الخارج، ولن يكون للداخل أي دور مؤثر في صياغته، عدا حضور حفلة التوقيع وما يصحبها من خطاب عاطفي متهيّج يغص بالعبارات والمصطلحات الوطنية.
 
التصريحات الأخيرة لنائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، عن ترحيب المملكة بمبادرة الحوثيين لوقف الحرب، وضرورة رص الصفوف وتكاتف جميع اليمنيين ضد المشروع الإيراني، يمكن أن نستخلص منها محاولة سعودية لاستمالة الحوثيين أو تحييدهم على الأقل مستقبلا، وعبارة "جميع اليمنيين" تشير إلى الحوثيين بدرجة أساسية، كونهم الفئة الوحيدة التي تضع نفسها بيدقا بيد النظام الإيراني، أما غالبية اليمنيين، فمواقفهم معروفة في رفض العبث الإيراني والتصدي له.
 
أضاع التحالف الداعم للشرعية، فرص متعددة للقضاء على المشروع الإيراني في اليمن، وكان بإمكانه القضاء عليه في الأشهر الأولى لاندلاع الحرب، لو أنه فقط قدم الدعم الكافي للجيش الوطني لخوض المعركة، ورفع وصايته على استقلالية القرارين العسكري والسياسي، لكن التحالف بقطبيه الإمارات والسعودية فضّل الاستسلام لمخاوفه وأوهامه عن سيطرة الإصلاح على مفاصل الشرعية، وتفرّغ لمعارك عبثية مع معسكر الشرعية، وترك مساحة كافية للحوثيين، لترتيب صفوفهم وحشد المقاتلين، وامتصاص الصدمات ومن ثم توجيه الضربات القاسية.
 
حتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى جدية التحالف "السعودية والإمارات" لمواجهة المشروع الإيراني في المنطقة عموما واليمن بشكل أخص، ومن خلال استقراء مواقف النظامين السعودي والإماراتي، نجد أن عدوهما الرئيسي يكمن في جماعة الإخوان المسلمين وكل التنظيمات والأحزاب المرتبطة بها، أو ما يطلق عليها بجماعات "الإسلام السياسي السنّي". أما العداء مع إيران وجماعاتها فلم يرق إلى الحد الأدنى من العداء الذي حظيت به الجماعات والحركات السنية، ولعلي لا أكون مخطئا إن قلت أن التحالف السعودي الإماراتي لا يزال ينظر لحزب الإصلاح كتيار سياسي أشد خطورة من ميليشيا الحوثي، وهذا الموقف يبديه الإماراتيون علنا دون تستر أو مواربة.
 
الحديث عن أي تسوية سياسية بين السعودية والحوثيين بعيدا عن الشرعية، يطرح أسئلة ملحة عن مصير الشرعية ضمن هذه المعادلة، وما إذا كان بمقدورها السير منفردة في مواجهة الانقلابين الحوثي والانتقالي، أو الدوران في فلك التبعية السعودية، والقبول بمبادرة جديدة تعيد تشكيل الخريطة السياسية على نحو يعيد التذكير بالمبادرة الخليجية التي صادرت الإرادة الشعبية لصالح الإرادة الخليجية.
 
في الأسابيع الأخيرة، شنّت الإمارات وأذنابها في اليمن حملة منظمة لشيطنة الجيش الوطني، ووصمه بالإرهاب بعد استهدافه عسكريا، فضلا عن النيل من الشرعية باعتبارها تابعة لحزب الإصلاح- مع أن الشرعية كسلطة والاصلاح كحزب سياسي مساند لها أصبحا رهينة الإرادة السعودية- وهذا يقودنا إلى أسئلة مهمة: هل أضحت الشرعية عبئا على التحالف حتى يجري تجاهلها والتحامل عليها بهذه الصورة وتوصيفها بالتبعية لحزب ما؟ وما هو مستقبل الشرعية التي منحت التحالف غطاء عمله العسكري في اليمن في حال نجح تفاهم السعودية مع الحوثيين؟ وكيف سيجري التعامل مع الميليشيات المسلحة الموازية للجيش الوطني في ظل امتلاكها معدات وأسلحة متطورة ودعم مالي مهول؟
 
إننا لا نملك إجابات أكيدة على أسئلة كهذه، لكن علينا أن نطرحها تحسبا لأي تسوية سعودية حوثية لا هدنة مؤقتة فحسب، وهي تسوية إن حدثت ستجيب على بعض ما يعتمل في أذهاننا من علامات استفهام، وستزيح الغشاوة التي ظلت ماثلة أمام الأعين وحجبت الكثير مما يجب أن يكون "معلوما بالضرورة".
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر