متى كانت عدن هادئة؟


سلمان الحميدي

 الظاهر أن الأحداث الأخيرة في الجنوب، وتحديدًا في عدن، هي مزيج متشابه من أحداث الستينيات والثمانينيات. اختلاف يفضي إلى العنف، تفكك في جبهات الهدف المشترك والمواجهات البينية، ثم عمليات التصفية حسب الهوية والمناطقية.

في الستينيات أخف، غير أن أحداث اليوم تأخذ شكل النشأة والاختلاف.
في الثمانينيات، كانت أعنف، وتأخذ منها أحداث اليوم، بشاعة التصفية.
الجانب الدولي يظهر في المراحل الثلاث: بريطانيا، الاتحاد السوفيتي، وحاليًا الإمارات.

وهناك اختلاف نسبي في ظهور الشمال في خضم العراك الوطني، فكما كان في فترة ما قبل الوحدة، منطلقًا للثورة ومأوى للنازحين، يظهر حاليًا، بحكم الوحدة، كطرف مهم يستخدمه الانتقاليون كفزاعة لتبرير الصراع بدعم إماراتي واضح، عسكري ومالي على الأرض، وطيران في الجو، وثلة من مسؤوليها وكتبتها.

بنظرة خاطفة للأحداث في الجنوب، يسأل المرء نفسه، متى عاشت عدن الرغد, وفي أي فترة كانت وضعيتها مثالية حتى جعلت من المسمى ضاحي خلفان يدعو لقطع علاقات دولته مع الشمال وتعميقها مع الجنوب!

لعبة ساذجة، لمجرد الهزيمة المحيقة بالأطراف المتطرفة والمكونات التي أنشأتها لغرض انتهازي لا علاقة له بتنمية الجنوب ولا حبًا في عدن، وإنما لإدارة الساحل بالطريقة التي يريدونها.

سنة 1963، تأسست جبهة التحرير القومية، بقيادة قحطان الشعبي، لتحرير الجنوب من الاحتلال البريطاني، وعقدت مؤتمرها الأول في صنعاء، من هنا نعرف التداخل اليمني اليمني، كانت الأهداف واضحة يلزم على كل يمني الإلتفاف حولها، غير أنه وفي سنة 1966، تم تأسيس جبهة تحرير الجنوب العربي بقيادة عبدالقوي مكاوي، وبدل توجه الجبهتين نحو الهدف الموحد "مواجهة الاحتلال"، شنت جبهة تحرير الجنوب هجماتها على الجبهة القومية!

بعد المواجهات الدامية، تم دعوة الجبهتين لحوار في الإسكندرية، تمامًا كما تحاول الإمارات اليوم فبعد الهجوم البشع على جنود الشرعية الخميس 29 أغسطس 2019، تبرر خارجيتها أن ضرباتها موجهة لإرهابيين رغم البيان الرئاسي ومعرفة اليمنيين أن الضربات استهدفت جنود الشرعية، وبعد هذا التبرير المصاغ للاستهلاك الإعلامي، يخرج وزير خارجيتها أنور قرقاش ليبرر ويضيف أن الحل الأنسب هو الحوار بين الانتقالي وحكومة الشرعية!

هذا الإفصاح "عن ضرورة الحوار" يأتي بعد رفض الحكومة الشرعية من الجلوس مع رئيس ما يسمى بالمجلس الانتقالي، في جدة الأسبوع المنصرم، مؤكدة أنها لن تجلس مع متطرفين انقلابيين حتى استعادة مؤسسات الدولة، بعد سيطرتهم في عدن!.

كانت الشرعية تتقدم، والواضح أنها كانت ستسيطر على المناطق التي هاجمتها مليشيا الانتقالي بغضون أيام، لتتدخل الإمارات عبر طيرانها للقصف في مداخل عدن ووسط أبين.

نغمة "الحوار بين المجلس الانتقالي والشرعية" بدأت ترتفع عقب هذه الهجمات، رغم أنهم كانوا يقولون أنها على إرهابيين، ممثل الدبلوماسية البذيئة لأبو ظبي، خلف المزروعي أكد ذلك وهو يوجه كلامه لهادي "هل تعرف بن بريك يا هادي الكعلة"؟ في إشارة صريحة منه، على توجيه الرئيس اليمني بعدم الحوار مع الانتقاليين، في جدة!.

يريد الإماراتيون اتفاقًا في جدة بين الحكومة الشرعية والانتقالي، كاتفاق الإسكندرية بين جبهة التحرير القومية وجبهة تحرير الجنوب العربي 1966، طمعًا بامتلاك المجلس الانتقالي حق التفاوض الخارجي والتمثيل الرسمي في المحافل الدولية كمكون معترف به من قبل الشرعية.

سنة 1966كان الاتفاق بين جبهتي التحرير القومية وتحرير الجنوب العربي، يشبه دمج الجبهتين في مكون واحد، بدل التنازع بين المكونين على حظوة تمثيل الجنوب خارجيًا.

سرعان ما انهار الاتفاق، وتمت المعركة الحاسمة بين جبهة التحرير القومية وجبهة تحرير الجنوب، أغسطس 1967، وامتلك طرف قحطان الشعبي حق المفاوضات، حتى إنهاء الاحتلال.

لم يهدأ الجنوب حتى بعد رحيل الاحتلال البريطاني، ففي الفترة االتالية سيشهد الجنوب، اغتيالات وانقلابات، حتى أتت سنة 1986، وشهدت عدن ـ المدينة الجميلة الوادعة وأقدم مدن الجزيرة العربية، مواجهات دامية بين الرفاق، بعد انقسام الحزب الاشتراكي على نفسه، طرف مع الرئيس وآخر مع الحزب، وبدعم من الاستخبارات السوفيتية كما قيل.. أكثر من 11 ألف قتيل، ولأن الرئيس وقتها، علي ناصر، انسحب إلى محافظة أبين، جاءت عمليات التصفية وفقًا للهوية.

بشكل ما، يتم استنساخ الأحداث الآن، وهناك عمليات تصفية بشعة، يقوم بها المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، عمليات تبين النزعة المتطرفة عند الهمج، وبدأت تظهر مقاطع السحل شيئًا فشيئًا، كان أبشعها عملية تصفية حسين المنصوري من محافظة أبين من قبل أفراد المجلس الانتقالي، حسين المنصوري من صورته، كبير في السن وعقيد في الجيش، ظهر الانتقاليون وهم يضربونه حيًا ويركلون رأسه، ويتحدثون عن سكين ذبح ويتعازمون على من يقتله، كما ظهرت مقاطع تظهر بشاعتهم في التعامل مع أسرى، والأنكى من ذلك أنه تم اقتحام منازل في عدن، في أكبر عملية دهم مناطقي، للبحث عن أصحاب أبين، بعد أن كان أصحاب الشمال هدفهم من قبل!.

الحوثي يسحل ويفجر وينكل، يفعل ذلك بكل خصومه دون مناطقية.. نزعة التطرف تتحكم بتركيبة المليشيات شمالاً وجنوبًا، الممولون مختلفون وأهدافهم مختلفة، إيران والإمارات، ممول يرى السعودية وآخر يرى الساحل، والضحية واحدة حتى الآن.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر