أطلال شعرية


نور ناجي

 يقول لبيد بن أبي ربيعة في بداية معلقته:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَـا بِمِنىً تَأَبَّـدَ غَـوْلُهَا فَرِجَامُهَـا
فَمَـدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَـا خَلِقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِىَّ سِلامُهَا..
 
مازالت أتذكر تأكيد معلم اللغة العربية بأن الوقوف على بقايا الديار من أهم السمات التي تميز بها الشعر العربي القديم والذي قد يلحقه قليل من غزل صعب المفردات.

ألم يكن بإمكان شعراء ذلك العصر اختيار مواضيع أكثر مرحاً وتسلية، تساءلت حينها بملل بينما أنتقل من القصيدة لأخرى، لم يكن من داعي لمحاكاة بعضهن البعض في النواح والعويل إلا أن كانت الكآبة سمة ذلك العصر!..
 
لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ
وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـمْ يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ..
 
تكاد ترى طرفة أبن العبد وهو يترك مطيته ويسير على الرمال قبل أن يغرس كفيه بلوعة بين ذراتها الساخنة، ألم يكن الأجدر به القتال في سبيل بقاءه جوار خولة على مغادرتها ليعود بعد سنين باحثاً عن " وشم " يبكيه؟!..
 
ربما يتهم البعض خولة ويلقي عليها أسباب ذلك الهجر !، لكن ماذا لو كانت بريئة، ولم تكن هي البطلة الحقيقية أو المعنية بتلك الأبيات، قد يبدو الأمر صادماً، لكن قراءة البيت أكثر من مرة يشعرك أن وقوف الرجل لم يكن سوى محاولة منه لإحياء ذكرى موضع جمعهما، فأسى الأبيات انصب على ماضي المكان وتضاريسه أكثر من اهتمامه بحال خولة أو أخبارها!..
 
لن أستغرب أن يكون الحنين للماضي هو ما حرك مشاعر أبن العبد، أليس الشوق  في حقيقية الأمر هو ما يجعل منا بشر، ما يجبرنا على الاستدارة بين الحين والآخر لمعرفة القيمة الحقيقية لما خلفناه في الحياة..
 
لم يكن امرؤ القيس بأقل من طرفه فكان لزاماً عليه أن يقف هو الآخر على أطلاله ويجبرنا على حفظ خريطتها :
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ..
 
ما بال العربي لا يترك أرضا حتى يعود للبكاء على أطلالها، يتعمد الهجر دون أن تعجزه الأسباب، ولا يرجع حتى يتأكد أنها أمست بلا حياة؟!..
بعيدا عن هاجس الشهرة وخلود القصيدة الذي لا بدّ وأنه راود كل شاعر، إلا أن استنزاف أرواح البعض منهم أمام تلك الإطلال بدا وكأنه عقاب لأنفسهم يزيدون من قسوة جلداته كلما برد لهيبها، الا يثير  ذلك النعي المبالغ فيه فينا الريبة، ويجعلنا نشكك في أمره وأسبابه أحيانا؟!.
 
هل كان امرؤ القيس يبكي أرضه حقا أم أن دموعه أخفت رغبة دفينة في هلاك كان تمناه لها؟!، هل تذكر سنوات عمره التي اختطفت منه وهو يبحث عن سبيل عودته إليها، أم أنه وقف مندهشا أمام رقصة أشباحه المحتفلة بما أصابها من بعده؟!..
 
أي أرض لا تقبل بك حتى تنزف نفسك وغيرك للحصول عليها؟!، لعل الأمير المقروح أخفى بعض من تشفيه، وشماتته لأرض رفضته سابقاً فمنحته لحظة وقوفه على ركامها بعض من سلام كان يرجوه؟!، أيا كان شعوره لم يكن ليمنعه من البكاء الصادق، لعل الصدق يزيح بعض مما علق بالروح من تعب! ..
 
بإمكان البعض رفض هذه النظرية، وتقديم دليل خطأها عبر خطاب عنتر بن شداد لمنازل عبلة، أليس هو القائل:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ أم هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّـم
يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي وَعِمِّي صَبَاحاً دَارَ عبْلةَ واسلَمِي..
 
لم يستنكر عنتر الوقوف على الأطلال واعتصار روحه في سباق البكائيات وحسب، بل انتقد وبكل شجاعة شعراء لم يتركوا أثرا إلا وقتلوه وصفوا وتباكيا، وانحنى رغم كبرياءه لمنازل عبلة وطالبها الحديث نيابة عنه وهو الشاعر الفذ ذو اللسان الطليق، دون أن يبدو عليه رغبة لتحولها حطام وهباء منثور..
 
مخطئ من يظن أن عنتر كان مختلف عن  الآخرين، ربما كان أكثر الشعراء الذين اعترتهم الرغبة في البكاء، بكاء طويل، إلا أن الظروف التي عايشها جعلته يكتم ضعفه وينظر لتلك الديار بطريقة مختلفة، فقد قضى سنوات طويلة من حياته في عبودية كان شرطها الأساسي أن لا يتجرأ مملوك على فكرة امتلاك جسده فكيف حين يفكر في وطن خارج حدود مالكه، لكن الشاعر الأسمر كان عنيدا واختار بكل تصميم وإرادة تغيير حدود أرضه..
بعض الجدران تكفي من لا وطن له، لكن لا أحد يعلم ما الذي كان سيقول عنتر لمنازل فارغة من الأماني إن طالت به الأيام وهو يسكنها؟!..
 
اختلفت نظرتنا للقصائد عما كانت منذ زمن، ولم تعد ثقيلة الوقع على مسامعنا بل أمسينا نحن من يتنقل بين أبياتها علها تخفف عنا بعض من وحشة ومعاناة وقد أدركنا مدى الشبه والتطابق بين مشاعرنا وبين ما حملت تلك القصائد من شجن.
 
مازلت أوطاننا قاسية علينا، منذ حطت عليها بدايات أعمارنا وهي تدير لنا ظهرها، ويبدو أن العشق الذي مازلت حروفنا تذرفه عليها ليس كاف ليشفع لنا، قد تكون الشوائب العالقة فينا والعصية عن النزع سبب ذلك الصد والتجني!.
 
لكننا لسنا سوى مجرد بشر ومن الصعب على قلوبنا تبادل حب نقي مع عاشقة لا تملك قلب، ما أن تستبشر بكاس ماء من يدها حتى تختنق بملوحة لا تزيدك سوى عطشاً..
عاشقة كان قد وصفها عبيد ابن الأبرص قبلك بأن الخطوب قد " بُـدِّلَـت أَهلُهـا وُحـوشـاً وَغَيَّـرَت حالَهـا"، فلم يعد تخليها عنك في محنتك وترك أبوابها مشرعة لغيرك وأنت تعاني الريح والبرد وحرمان الأسقف الآمنة بأمر مستغرب عليها..
 
مازلنا كأجدادنا نسعى للهجر_ ما أن يتاح _ إلى أرض جديدة قد نتمكن فيها من الارتواء، بالطبع لن نحظى بذلك الحنين الممزوج بقطرات دماءنا، لكننا لن نعجز عن خلق غيره، وإن عجزنا وباءت محاولتنا بالفشل، لا ضير من خلو ذاكرتنا من الأوجاع، لعنا بذلك نرتاح من النظر المتكرر للخلف والتعلق بآثار لم نسلم من أذاها، ونكتفي في رحلة وداعنا بأبيات أطلال باكية حتى نطيق الوداع:
 
وَدّعْ هُرَيْـرَةَ إنّ الرَّكْـبَ مرْتَحِـلُ وَهَلْ تُطِيقُ وَداعـاً أيّهَـا الرّجُـلُ؟ ..الأعشى
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر